إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي فيها، وبعد ما اعلن الكيان الصهيوني عن دوره وراء الهجوم والتخريب الذي تعرض له الموقع النووي، أعلن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية –آنذاك- علي أكبر صالحي أمام لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني: "إن إيران ستبني مجمعاً جديداً لتجميع أجهزة الطرد المركزي في قلب الجبل"، ونتيجة لذلك ولحاجة إيران إلى ورقة ضغط وتفاوضية رابحة في الوقت ذاته، بدأت في كانون الأول من عام 2020، عملية البناء في الجبل الذي عرف بجبل الفأس.
وقد ازدادت الأهمية الإستراتيجية له لدى القيادة العسكرية الإيرانية، في حرب "الأثني عشر يوما"، عندما وجهت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضربات جوية بالقنابل الخارقة للتحصينات لمحطتي فوردو ونطنز النوويتان -في حزيران من عام 2025-، وتسببها بغلق المحطتين وتدمير أجزاء كبيرة منها، إذ قامت إيران بمساعدة مجموعة من الخبراء ولا سيما الروس بنقل أجزاء من أجهزة الطرد المركزي وكميات من اليورانيوم المخصب إلى هذا الجبل شديد ومعقد التحصين.
ومنذ ذلك الحين عدت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل جبل الفأس ضمن بنك الأهداف الإستراتيجية والمراقبة الشديدة، ولا سيما بعد منع إيران لوكالة الطاقة الدولية الذرية عن تفتيش وزيارة جبل الفأس والمواقع المحيطة به، مما دفع الطرف المقابل في الصراع ولا سيما الأمريكي والإسرائيلي، التشديد على أهمية هذا الموقع، والتهديد بتدميره خلال الحرب، إذ قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 21 تموز من العام الحالي: "أن الولايات المتحدة ستوجه على الأرجح ضربة إلى جبل الفأس في وقت قريب نسبياً".
وفي السياق ذاته، أعلن الكيان الصهيوني بأن الموقع يضم المكونات اللازمة لإنشاء منشأة تحت الأرض قادرة على تخصيب اليورانيوم إلى مستوى عسكري يبلغ 90%، وعدت هذا المبرر دافعاً للتحرك الأمريكي وإمكانية تدميره؛ وفي هذا الصدد سوف نبين الأهمية الإستراتيجية لجبل الفأس في الحرب الأمريكية- الإسرائيلية مع إيران، على النحو الآتي:
أولاً / الموقع والتسمية:
يسمى الموقع للجبل بالفارسية (كوه كُلنك كزلا)، ويترجم إلى جبل الفأس/ المعول، ويشتهر في المجال الإعلامي بأسم "جبل الفأس"، إذ يقع في محافظة أصفهان على مسافة (220) كيلو متر جنوب العاصمة طهران، وعلى مسافة كيلومترين من منشأة نطنز الإيرانية، وعلى ارتفاع (1600) متر فوق مستوى سطح البحر ضمن سلسلة جبال زاكروس، إذ تحيط به سلسلة معقدة من التضاريس الصخرية، مما يضفي على موقعه طابعاً استثنائياً من التعقيد والتحصين المشدد.
ثانياً/ التحصين الهندسي:
يمتاز جبل الفأس بتحصين هندسي فريد، إذ يقع تحت الجبل على مسافة (100) متر، ويحتوي على مجمعين من الأنفاق المعقدة، وتحيط بهذه الأنفاق سياج أمني وعناصر من الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى منظومات من الصواريخ للدفاع الجوي، ويتكون العمق الإستراتيجي للجبل من الغرانيت الصلب، إذ تجعله تلك الصخور المحيطة من أشد التحصينات الهندسية للقنابل الصاروخية، وأكثرها مقاومة للضربات الجوية.
ثالثاً/ وجود اجهزة الطرد المركزي واليورانيوم المخصب:
بعد تدمير محطتي فوردو ونطنز، عملت إيران على نقل أجهزة الطرد المركزي وكميات كبيرة من اليورانيوم المخصب أو عالي التخصيب، في هذا الموقع المحصن، إذ تشير المعلومات الإستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية على وجود نشاط في جبل الفأس، تعود لأجهزة الطرد المركزي المتقدمة، إضافة إلى ذلك أكدت أنها متيقنة من أن إيران قامت بنقل كميات من اليورانيوم المخصب إلى الجبل، وهذا ما جعل الأهمية الإستراتيجية لجبل الفأس تزداد يوماً بعد يوم في المدرك العسكري لإسرائيل وللولايات المتحدة الأمريكية، لما يمتاز به هذا الموقع من تحصين مشدد وسرية تامة بعيدة عن أنظار الرقابة الدولية.
رابعاً/ ورقة ضغط وتفاوضية:
منحت الأهمية الإستراتيجية لجبل الفأس، إيران ورقة ضغط وتفاوضية في الوقت ذاته، إذ جعل من الصعوبة إمكانية تدمير النظام وانهياره على مرحلة واحدة، وإمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات وإملاء الشروط التفاوضية من قبل الطرفين أمراً واقعياً، فالولايات المتحدة الأمريكية لطالما راهنت منذ بداية الحرب على تسليم اليورانيوم المخصب أو الغبار النووي، وعدته ضمن بنك أهدافها الإستراتيجية الرئيسة للحرب، فتسليم اليورانيوم المخصب أو تحديد موقعه بدقة، يعد من قبل الطرف الأمريكي أهم من انهيار النظام السياسي في إيران، وهذا ما دار حوله الاتفاق النووي الأمريكي- الإيراني لعقود طويلة، إلى بداية الانسحاب الأمريكي من الاتفاق عام 2018، خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى، وتجلي تداعياته على المنطقة بالكامل ثم رفع التصعيد والتوتر، واللذان قادا في النهاية إلى الحرب الوجودية الحتمية.
خامساً/ ورقة ردع إيرانية:
يمنح الموقع الجغرافي لجبل الفأس، إيران إمكانية بقاء أجزاء كبيرة من برنامجها النووية حية ومحصنة، وبعيدة عن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية الإستراتيجية، والتحول الخطير في هذه المرحلة كما يراه الغرب هو إمكانية احتمالية إيران الوصول في وقت قصير إلى مستوى 90% من التخصيب، وهذا يعني امتلاك السلاح النووي، وحينها سوف تختلف موازين الحرب وتفرض واقعاً جديداً على الأرض، وهذا ما تطمح إليه إيران في هذه المرحلة، أي إمتلاكها ورقة ردع (نووية).
في الختام يتضح من خلال ما تم ذكره، أنَّ موقع جبل الفأس، يعد من المواقع الإستراتيجية الهامة شديدة التحصين والتعتيم والسرية، إذ أن أمتناع إيران لوكالة الطاقة الدولية الذرية عن تفتيش وزيارة الموقع، يعد من الأوراق الردعية الضاغطة في منظور صناع القرار العسكري الإيراني، ولا سيما أنَّ إيران تعول بشكل كبير على أهمية هذه الورقة، وإمكانية أيجاد مخرج للحرب يغير فيها موازين القوى، واستعادة الواقع الفعلي للمسار الدبلوماسي وايجاد آلية متوازنة في أملاء الشروط بين الطرفين، وفي المقابل يدرك الطرف المقابل ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أهمية هذه الورقة (ورقة الردع)، ويراهن على تدمير آخر جزء متبقي منها، ويعدها من الخطوط الحمراء شديدة الخطورة، التي أصبحت من المستحيل له أنَّ يسمح لإيران بالوصول أليها وامتلاك أطرافها، وهو ما شكل جوهر الصراع الكبير بين الطرفين، وأتساع الفجوة في المسار الدبلوماسي لعدة جولات بائت بالفشل الشديد، وفقدان الثقة وغياب ملامح مسار الحرب، لتعود من جديد إشكالية الطرف الأخر، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وهي عدم امتلاك إيران سلاح نووي.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!