عجز موازنة العراق 2027: سيناريوهات الأزمة والاقتصاد الريعي

عجز موازنة العراق 2027: سيناريوهات الأزمة والاقتصاد الريعي
تتناول هذه المقالة، ظاهرة العجز المالي في الموازنة العامة العراقية، بوصفها نتاجاً لبنية ريعية تجعل الإيرادات العامة رهينة لأسعار النفط، في مقابل نفقات تشغيلية جامدة تتصدرها الرواتب والتشغيلية، وتسعى إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لإدارة العجز في ضوء الاستعداد لإعداد موازنة عام 2027، وتقدير كلفتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية...

وقد اعتمدت المقالة المنهج الوصفي والمنهج التحليلي مقروناً بمنهج تحليل السيناريوهات، وتوصلت إلى أن الاقتراض وحده يؤجل الأزمة ولا يعالجها، وأن التقشف غير المنضبط يضر بالنمو والاستقرار الاجتماعي، وأن الإصلاح الهيكلي المتدرج، المقترن بتنويع الإيرادات وترشيد الإنفاق، هو المسار الأقل كلفة على المدى المتوسط، وأن نجاحه مشروط بالإرادة السياسية والاستقرار المؤسسي.

 

أولاً: الدولة الريعية والازمة المالية في العراق

تعد نظرية الدولة الريعية من المداخل التحليلية المهمة لفهم طبيعة الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المالية العامة في العراق، لما توفره من إطار تفسيري للعلاقة بين الاعتماد على الإيرادات النفطية، وطبيعة دور الدولة في الاقتصاد، وآليات إدارة الموارد العامة.

تقوم هذه النظرية على أن الدولة الريعية هي الدولة التي تعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات خارجية متأتية من ريع مورد طبيعي، تتولى الحكومة تحصيل الجزء الأكبر منها وإعادة توزيعه عبر الإنفاق العام، في حين تسهم نسبة محدودة من السكان في توليد هذا الريع.

في الحالة العراقية يمثل النفط المصدر الرئيس للإيرادات العامة، الأمر الذي أسهم في ترسيخ نمط مالي يعتمد على العوائد النفطية أكثر من اعتماده على الإيرادات الضريبية المستدامة، ويترتب على هذا النمط من الاعتماد عدد من الآثار المؤسسية والمالية التي تؤثر في كفاءة إدارة الموارد العامة واستدامة الوضع المالي، فمن جهة أولى يؤدي الاعتماد على الإيرادات النفطية إلى إضعاف الحوافز المؤسسية لتطوير قاعدة ضريبية واسعة وفعالة، بما يحد من تنويع مصادر الإيرادات العامة ويقلّص ارتباط تمويل الدولة بالنشاط الاقتصادي المحلي.

ومن جهة ثانية، قد يتحول الإنفاق العام من أداة لتحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز الإنتاجية إلى آلية لإعادة توزيع الريع، بما يرسخ الاعتماد على الدولة ويعزز أنماط التوزيع المرتبطة بالاعتبارات الاجتماعية والسياسية، على حساب معايير الكفاءة الاقتصادية والأولويات التنموية.

ومن جهة ثالثة، يؤدي ارتباط الإيرادات العامة بتقلبات أسواق النفط العالمية إلى زيادة تعرض الموازنة العامة للصدمات الخارجية، الأمر الذي يفاقم صعوبة التخطيط المالي متوسط وطويل الأجل، ويحد من قدرة الحكومة في الحفاظ على استقرار الإنفاق العام عند انخفاض أسعار النفط أو تراجع الصادرات.

وفي ضوء ذلك، يمكن تفسير جانب مهم من مظاهر الأزمة المالية العراقية بوصفه انعكاساً لاختلالات هيكلية تتجاوز التقلبات الظرفية في أسعار النفط، وترتبط بطبيعة النموذج الريعي ذاته، فمحدودية تنويع الإيرادات، وتزايد الالتزامات الإنفاقية الجارية، وضعف الارتباط بين الإنفاق العام وتوسيع القاعدة الإنتاجية، عوامل تسهم مجتمعة في تضييق الحيز المالي المتاح أمام الحكومة، وتزيد من هشاشة المالية العامة إزاء الصدمات النفطية.

وعليه، فإن معالجة العجز المالي في العراق لا تقتصر على إجراءات تقليص الإنفاق أو زيادة الإيرادات بصورة مؤقتة، بل تتطلب إصلاحاً هيكلياً لنموذج إدارة المالية العامة، يقوم على تنويع مصادر الإيرادات، وتعزيز كفاءة الإنفاق، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، والحد من الارتهان المستمر للعوائد النفطية بوصفها المصدر الرئيس لتمويل الدولة.

 

ثانيا: البعد السياسي والمؤسسي للأزمة المالية في العراق

لا يمكن تحليل أزمة العجز المالي في العراق بمعزل عن طبيعة النظام السياسي والبنية المؤسسية الحاكمة لعملية صنع القرار المالي، إذ لا تتحدد كفاءة إدارة المالية العامة بالاعتبارات الاقتصادية والفنية وحدها، بل تتأثر أيضاً بمدى الاستقرار السياسي، وفاعلية المؤسسات العامة، وقدرتها على اتخاذ القرارات المالية في الوقت المناسب.

وفي هذا السياق، يعد التأخر في تشكيل الحكومات وما يرتبط به من تأخر في إعداد الموازنات العامة وإقرارها أحد العوامل التي قد تؤثر في انتظام التخطيط المالي، وتحد من وضوح أولويات الإنفاق وتوقيت تنفيذ البرامج الحكومية، ويتجلى البعد المؤسسي للأزمة كذلك في العلاقة بين التوظيف الحكومي والاعتبارات السياسية والاجتماعية، إذ قد يؤدي توسع الجهاز الوظيفي العام، عندما لا يستند إلى احتياجات فعلية ومحددات إنتاجية واضحة، إلى تضخم النفقات التشغيلية وزيادة الالتزامات المالية المتكررة على الموازنة العامة، وتزداد صعوبة معالجة هذا الاختلال عندما يرتبط التوظيف العام بشبكات المصالح والتوازنات السياسية أو يُنظر إليه بوصفه وسيلة لامتصاص الضغوط الاجتماعية وتوفير مصادر الدخل.

وفي مثل هذه الظروف، لا تقتصر إصلاحات الإنفاق العام على معالجة الاختلالات المالية، بل تصبح مرتبطة أيضاً بكلفة سياسية واجتماعية قد تحد من قدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة واستدامتها.

ومن هذا المنطلق، تبرز إشكالية الحوكمة المالية بوصفها حلقة وصل بين الاختلالات السياسية والمؤسسية من جهة، واستمرار العجز المالي من جهة أخرى، فضعف التنسيق بين المؤسسات، وتأخر اتخاذ القرارات، وصعوبة إخضاع الإنفاق العام لمعايير الكفاءة والأولويات التنموية، عوامل قد تسهم في إدامة الاختلالات الهيكلية في الموازنة وتحد من فاعلية السياسات المالية التصحيحية.

كما أن غياب التوافق المؤسسي والاجتماعي حول أولويات الإصلاح قد يجعل الإجراءات التقشفية أو التدابير الرامية إلى ضبط النفقات عرضة للتراجع أو التعثر عند مواجهة الضغوط السياسية والاجتماعية.

وعليه، فإن معالجة الأزمة المالية العراقية لا ينبغي أن تُختزل في مؤشرات العجز وحجم الإيرادات والنفقات، بل تستلزم مقاربة مؤسسية شاملة تعزز استقرار عملية إعداد الموازنة وإقرارها، وترفع كفاءة الإدارة العامة، وتربط التوظيف والإنفاق الحكومي بمعايير الحاجة والإنتاجية، وتدعم الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة، فاستدامة الإصلاح المالي تتطلب، إلى جانب التدابير الاقتصادية، بناء توافق سياسي واجتماعي حول توزيع الأعباء وتحديد الأولويات، بما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع ويكرّس إدارة أكثر كفاءة وعدالة للموارد العامة.

 

ثالثا: سيناريوهات إدارة العجز المالي

تعرض المقالة ثلاثة سيناريوهات رئيسية يلخصها الجدول الآتي، علماً أن الواقع العملي يتجه عادة إلى مزيج منها.

السيناريو الأول: الاقتراض وتمويل العجز

يقوم على سد الفجوة بالاقتراض الداخلي أو الخارجي، وهو أسهل الخيارات سياسياً وأسرعها أثراً، إذ يضمن استمرار صرف الرواتب ويؤجل القرارات الصعبة، غير أن كلفته تتراكم في صورة دين عام وخدمة دين، وتزداد معه علاقة الدولة بالمصارف الحكومية، وقد يضغط على السيولة والاحتياطيات وسعر الصرف، ويصلح هذا السيناريو جسراً مؤقتاً، ويتحول إلى مشكلة إن لم يقترن بإصلاح حقيقي.

 

السيناريو الثاني: التقشف وضبط الإنفاق

يعتمد على خفض النفقات، وأسهل بنودها سياسياً وأكثرها ضرراً تنموياً هو الإنفاق الاستثماري، وإن كان هذا الخيار يخفض العجز بسرعة ويحتوي الدين، فإن ضغط الاستثمار للحفاظ على الرواتب يؤخر المشاريع ويضعف الخدمات وقدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل، ويؤدي إلى انكماش واحتقان اجتماعي، أما التقشف الذكي فيستهدف الهدر والازدواج ومخصصات كبار المسؤولين والإنفاق غير المنتج، مع حماية الفئات الهشة والاستثمار المنتج، ويعد أصعب سياسياً وأقل كلفة على المدى البعيد.

 

السيناريو الثالث: الإصلاح الهيكلي وتنويع الإيرادات

يعالج السبب لا العَرَض، عبر محاور متكاملة: تعظيم الإيرادات غير النفطية بتحسين التحصيل الضريبي والجمركي وسد منافذ التهرب والفساد، وترشيد الإنفاق بإصلاح هيكل الأجور وضبط التعيينات وتقييم كفاءة برامج الدعم بما يضمن وصولها إلى مستحقيها، وإطلاق شراكات استثمارية مع القطاع الخاص، وتبني إطار مالي متوسط الأجل يتجاوز منطق الموازنة السنوية، واعتماد سعر نفط تحوطي متحفظ، وإنشاء أداة ادخار سيادية في سنوات الفائض، وهو السيناريو الوحيد الذي يقلل هشاشة الدولة أمام صدمات الأسعار، لكنه يصطدم بمقاومة المصالح المتضررة وبطء النتائج. وقد أشار مسؤول في وزارة المالية، بحسب تقرير صحفي، إلى أن الموازنة الثلاثية لم تعد خياراً مطروحاً لتذبذب أسعار النفط وصعوبة تقدير الإيرادات بدقة وهو ما يعزز أهمية الأطر المرنة.

 

ختاماً، يتضح أن معالجة العجز المالي في العراق تتطلب الانتقال من الحلول الآنية إلى إصلاحات هيكلية تعالج جذور الاختلال في المالية العامة، وتحدّ من الاعتماد على الإيرادات النفطية، وبينما تتيح السيناريوهات المطروحة بدائل متفاوتة في الكلفة والآثار، تبقى فاعلية أي مسار مرهونة بمدى اتساقه مع متطلبات الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، ومن ثم فإن تبني نهج إصلاحي تدريجي ومتكامل يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز الاستقرار المالي وتحقيق التنمية المستدامة.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

........................

* مدرس مساعد في جامعة بغداد/ كلية الإدارة والاقتصاد/ قسم إدارة الاعمال

م. م. اماني خالد عبد الهادي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!