ولا تقتصر أهمية هذا الممر البحري على النفط فحسب، بل تنسحب اهميته كذلك الى تجارة الغاز الطبيعي المسال التي تمر نسبة كبيرة منها عبره باتجاه الأسواق الآسيوية والأوربية.
وتنبع الاهمية الاستراتيجية لهذا المضيق من عاملين اساسيين؛ الاول: كمية وحجم التدفقات اليومية الكبيرة للطاقة التي تمر من خلاله، والثاني: محدودية البدائل القادرة على استيعاب هذه الكميات في حال تعرضت حركة الملاحة فيه الى اضطراب مفاجئ او توقف جزئي.
ويعكس الوضع الراهن في المضيق تحولا ملحوظا في البيئة الأمنية البحرية، ولا سيما بعد الضربات التي طالت أجزاء من البنية البحرية التابعة الى الحرس الثوري الايراني بما في ذلك بعض الزوارق السريعة وسفن زرع الألغام ومنصات التشغيل المتقدمة التي كانت تمثل العناصر الأساسية للاستراتيجية البحرية الإيرانية في المضيق.
حاليا تراجعت نسبيا قدرات ايران العسكرية البحرية ما يطرح تساؤل مركزي حول مدى قدرة إيران على الاستمرار في التأثير والتحكم في أمن وحركة الملاحة في المضيق من دون الاعتماد على قوة بحرية تقليدية قادرة على العمل بشكل مباشر في هذا الممر المائي؟.
ان العقيدة البحرية للحرس الثوري الإيراني تعتمد اساسا على مزيج من الوسائل غير المتكافئة التي تشمل الزوارق السريعة والألغام البحرية وعمليات المضايقة المباشرة للسفن العابرة، وتهدف هذه الوسائل الى خلق بيئة بحرية مضطربة داخل المضيق، بحيث يصبح المرور فيه محفوفا بدرجة مرتفعة من المخاطر، الا أن تراجع بعض هذه الوسائل دفع الى تحول نسبي في طبيعة التهديدات التي يمكن أن تستخدمها إيران في المستقبل القريب، فبدلا من الاعتماد الرئيس على الأدوات البحرية المباشرة، يتجه التركيز بصورة أكبر نحو استخدام وسائل إطلاق برية مثل الصواريخ الساحلية المضادة للسفن والطائرات المسيرة بعيدة المدى، وتمثل هذه الوسائل بديل عملياتي يمكن من خلاله التأثير في حركة السفن المارة داخل المضيق دون الحاجة إلى الانتشار البحري الواسع.
وفي هذا الجانب سنبحث في حدود القدرة الإيرانية على تهديد الملاحة في مضيق هرمز في ضوء تراجع بعض قدراتها البحرية، مع محاولة تقييم ما اذا كان الاعتماد المتزايد على وسائل الإطلاق البرية يمكن أن يؤدي الى تعطيل فعلي ومستدام لحركة الملاحة، أو أن تأثيره سيظل في إطار تهديد محدود يهدف أساسا الى رفع مستوى المخاطر في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم حاليا، مع طرح اهم المشاهد المحتملة لتهديد الملاحة في المضيق، او غلقه، او عدم حصول ذلك وفقا للآتي:
اولا/ القدرة الايرانية الفعلية على غلق مضيق هرمز
في ضوء التحول نحو استخدام وسائل تهديد غير متماثلة، يبرز تساؤل محوري يتعلق بمدى قدرة هذه الوسائل على إحداث تعطل فعلي في حركة الملاحة داخل مضيق هرمز او فرض قيود مؤثرة على عبور السفن؟.
فعلى الرغم من امتلاك طهران مجموعة من الوسائل والادوات القادرة على إقلاق البيئة البحرية، فان الانتقال من مرحلة احداث اضطراب محدود الى فرض اغلاق فعلي للمضيق يتطلب قدرات عسكرية وبحرية اكبر بكثير، ولا سيما في ظل الوجود العسكري الدولي المستمر في المنطقة.
وخلال إطار زمني يتراوح من يوم الى ثلاثة ايام، يمكن لطهران تنفيذ سلسلة من العمليات التكتيكية التي قد تؤدي الى تعطيل مؤقت لحركة الملاحة البحرية، وتشمل هذه العمليات استخدام الزوارق السريعة لتنفيذ عمليات تعرض متكررة للسفن التجارية، إضافة الى ارسال الطائرات المسيرة بالقرب من مسارات العبور والمرور، بهدف خلق حالة من الغموض وعدم اليقين الامني عمليا لحركة الملاحة، ما يضطر بالسفن عدم المجازفة بالملاحة من خلاله، كما يمكن أن تشمل هذه العمليات زرع الغام بحرية في محطات ونقاط اختناق تكتيكية داخل الممر الملاحي.
وعلى الرغم من ان هذه الاجراءات لا تمثل تصعيد عسكري واسع النطاق، لكنها قادرة على خلق اضطراب سريع في البيئة البحرية ورفع مستوى المخاطر المرتبطة بالملاحة والمرور عبر مضيق هرمز.
ثانيا/ قيود القدرة الايرانية على اغلاق مضيق هرمز
تبرز عدة قيود وحدود على قدرة طهران لغلق المضيق، فالانتقال من تعطيل محدود ومؤقت الى غلق شامل ومستدام يتطلب مستوى مختلف تماما من التصعيد العسكري، فمثل هذا الاغلاق يستلزم نشر عدد كبير من الالغام البحرية عبر الممرات الاساسية للمضيق، فضلا عن القدرة على عرقلة عمليات ازالة الالغام التي قد تنفذها القوات البحرية الدولية، كما يتطلب القدرة على تحمل ضربات عسكرية مضادة قد تستهدف القواعد والبنية العسكرية التي تشارك في تنفيذ عملية الإغلاق.
ايضا يقع المضيق ضمن نطاق عمليات الاسطول الامريكي الخامس المتمركز في البحرين وهو التشكيل البحري المسؤول عن امن الملاحة في منطقة الخليج وبحر العرب والبحر الاحمر، والى جانب هذا الأسطول تشارك قوات بحرية دولية اضافية في عمليات مراقبة وتأمين حركة العبور داخل المضيق، ويمكن تلخيص هذه القيود بالاتي:
1- ضعف محاور اساسية في القدرات البحرية الإيرانية، التي تم استهدافها مثل الزوارق السريعة وسفن زرع الالغام والبنية البحرية من قبل اسرائيل والولايات المتحدة، سيمثل تحديا عمليا يقلل من قدرة طهران على تنفيذ عمليات بحرية واسعة ومستمرة في المضيق قد لا تمنحه السيطرة في التحكم بحركة الملاحة البحرية فيه.
2- التواجد الدولي البحري في المضيق ومحاذاته: اذ يمثل كما اشرنا وجود الاسطول الامريكي الخامس في البحرين، رغم استهدافه ايرانيا لكنه لازال فعال ومركزي، اضافة الى قوات بحرية دولية اضافية، تحدي كبير لأي محاولة إغلاق مستدام للمضيق من قبل طهران.
3- وجود قدرة دولية على ازالة الالغام واعادة فتح الممرات، اذ ان حرب الناقلات ترجح سيناريو عودة فتح الممرات باعتبارها مسألة وقت وإرادة عملياتية، كضرورة استراتيجية للاقتصاد العالمي ما يزيد من حدة المواجهة العالمية ضد ايران في المضيق ويدفعها للتراجع فضلا عن ايران هي تحتاج اصلا المضيق لنقل نفطها وتجارتها فأي فعل دولي مضاد يقلص هذه القدرات ويدفعها للتراجع.
4- التكلفة الاقتصادية والعسكرية العالية للإغلاق الكامل: الاغلاق الشامل قد يقود الى مواجهة عسكرية واسعة لأكثر من طرف، تضر بالبنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، وايران ليست بموضع يسمح لها بذلك، رغم انها تستخدم سياسة حافة الهاوية في المواجهة وتعتبرها حرب وجودية، لكن ايضا عينها على الداخل، وتترقب ردة فعل المجتمع الدولي ضدها اذا ما ذهبت اكثر من ذلك في الاضرار بالاقتصاد العالمي.
5- محدودية الاجراءات والوسائل غير المتكافئة بين الاطراف المتحاربة: فالصواريخ الساحلية والطائرات المسيرة يمكنها رفع المخاطر لكنها لا تضمن اغلاقا دائما للمضيق، خاصة ان الخصم يمتلك قدرات تدميرية اقوى، وقد تلجأ واشنطن الى المرافقة العسكرية للسفن رغم ارتفاع كلفة ذلك لكنها مسألة تحدي قد تدفع بهذا الاتجاه.
وعلى هذا الوضع؛ يمكن القول ان التقدير الواقعي يشير الى ان طهران تمتلك قدرة على تعطيل تكتيكي مؤقت لحركة الملاحة ورفع كلفة المرور والملاحة، لكنها بذات الوقت لا تملك في الظروف الحالية القدرة على فرض اغلاق استراتيجي طويل الأمد للمضيق من دون الدخول في مواجهة عسكرية واسعة قد تؤدي الى خسائر كبيرة في بنيتها العسكرية والبحرية والاقتصادية وتنعكس عليها داخليا.
ثالثا/ المشاهد المحتملة
وفقا لنمط السلوك الايراني السابق، والى طبيعة العقيدة البحرية للحرس الثوري القائمة على العمليات غير المتكافئة، فضلا عن التحولات العسكرية التي شهدتها البيئة الاقليمية مؤخرا، يمكن تصور ثلاثة مشاهد رئيسة محتملة قد تلجأ اليها طهران في تعاملها مع حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وتختلف هذه المشاهد من حيث درجة التصعيد وحجم التأثير الذي يمكن ان تتركه في حركة الملاحة والتجارة والطاقة العالمية.
المشهد الاول: اغلاق شامل طويل الامد والتأثير
يفترض هذا المشهد ان تعمل طهران على محاولة فرض غلق واسع ومستمر لمضيق هرمز من خلال تنفيذ عمليات عسكرية مكثفة تهدف الى تعطيل الملاحة الدولية لفترة طويلة، وقد يشمل ذلك زرع اعداد كبيرة من الالغام البحرية في الممرات الاساسية للمضيق، الى جانب تنفيذ هجمات متكررة على السفن التجارية وناقلات النفط باستخدام الصواريخ الساحلية المضادة للسفن، او الطائرات المسيرة، كما قد يشمل كذلك استخدام الزوارق السريعة لتنفيذ هجمات متتابعة ومستمرة على خطوط الملاحة الدولية.
وعلى الرغم من أن مثل هذا المشهد قد يعمل على تعطيل كبير في تدفق الطاقة العالمية، ويسبب ارتفاع حاد في أسعار النفط، لكنه يبقى اقل المشاهد ترجيحا لحصوله؛ بسبب الكلفة الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية المرتفعة التي قد تتحملها طهران.
فالإغلاق الكامل للمضيق من شأنه ان يدفع القوى الدولية الى توسيع تدخلها العسكري لإعادة فتح الممرات البحرية وتأمين حركة الملاحة، وهو ما قد يؤدي الى تصعيد المواجهة العسكرية نحو مستوى اكبر واعلى من الصراع المباشر، ويعرض البنية العسكرية والاقتصادية الايرانية الى اضرار كبيرة.
المشهد الثاني: اغلاق محدود متوسط الامد والتأثير
يقوم هذا المشهد على محاولة طهران تعطيل حركة الملاحة بشكل محدود ومؤقت دون الوصول الى مستوى الاغلاق الكامل للمضيق، ويتم ذلك من خلال تنفيذ عمليات غير متكافئة تهدف الى رفع مستوى المخاطر المرتبطة بالعبور عبر المضيق، وقد تشمل هذه العمليات احتجاز بعض السفن او تنفيذ هجمات محدودة على ناقلات النفط او شن هجمات عبر طائرات مسيرة بالقرب من مسارات الملاحة الدولية في المضيق.
ويهدف هذا النمط من العمليات الى تحقيق تأثير اقتصادي وسياسي ملموس من خلال رفع تكاليف التأمين والشحن البحري وخلق حالة من عدم اليقين في اسواق الطاقة العالمية، دون الوصول الى مرحلة الحرب المفتوحة، وقد اثبتت التجارب السابقة ان هذا التكتيك يمكن ان يحقق لطهران درجة من الضغط السياسي والاقتصادي على خصومها مع الحفاظ على مستوى من التصعيد يمكن السيطرة عليه.
المشهد الثالث: تهديد دون نجاح الاغلاق
يفترض هذا المشهد ان تبادر طهران الى تنفيذ سلسلة من العمليات التصعيدية في المضيق بهدف تعطيل الملاحة لمدة محدودة، الا ان هذه المحاولة لا تحقق تأثيرا مستداما؛ نتيجة سرعة تدخل القوات البحرية الدولية لإعادة تأمين الممرات البحرية، وقد يشمل ذلك زرع عدد محدود من الالغام او تنفيذ هجمات متفرقة متفاوتة على بعض السفن المارة، غير أن القدرات التقنية والعسكرية والعملية المتقدمة التي تمتلكها القوى البحرية الدولية، فضلا عن امتلاكها انظمة مراقبة بحرية متطورة، وقدرة على اجراء عمليات ازالة الالغام بشكل سريع، قد تحد بشكل كبير من قدرة طهران على الحفاظ على فرضية التعطيل طويلة الامد للملاحة البحرية في المضيق، ونتيجة لذلك قد يعمل هذا المشهد على اضطراب مؤقت في حركة النقل البحري وارتفاع سريع في أسعار الطاقة، لكنه لن يصل الى مستوى اغلاق فعلي طويل الامد للمضيق.
وفي سياق ترجيحنا لمسار المواجهة وفقا للمشاهد الثلاثة المحتملة؛ يمكن التكهن بذلك من خلال الاشارة الى تحليل سلوك طهران حاليا، اضافة الى معطيات التصعيد والمواجهة في اكثر من بيئة جيوسياسية للاطراف المتحاربة ومنها مضيق هرمز، بأن ايران لا تريد التوجه فعليا نحو خوض مواجهة بحرية محتدمة واسعة النطاق، بل ستعتمد اعتمادا متزايدا على وسائل الضغط غير المباشر المرتبطة بعقيدة الردع غير المتكافئ، فالحرس الثوري الايراني لا يسعى الى تحقيق انتصار عسكري مباشر في معركة بحرية مفتوحة بقدر ما يهدف الى خلق بيئة عملياتية محفوفة بالمخاطر وعدم الاستقرار، تضيف اليه قدرة تأثير وضغط، تعطيه مساحة اجبار الخصوم لإعادة حساباتهم الاستراتيجية في المواجهة الشاملة وتوقيتاتها واهدافها.
كما ان التحولات التي تشهدها القيادة الايرانية وغياب الخط الاول من الاجنحة السياسية والعسكرية المسيطرة سابقا، مع وجود ضغوطات داخلية يواجهها النظام الايراني، قد تدفعه الى استخدام المضيق كأداة وورقة ضغط ومساومة لإدارة ازمة الحرب فحسب وبشكل مؤقت، لرفع مستوى التصعيد على المجتمع الدولي الذي سيتضرر من غلق المضيق، او تهديد الملاحة والتجارة فيه، من دون توسيع نطاق الحرب بطريقة قد تنعكس سلبا على المصالح الايرانية المباشرة.
ان الاهمية الاستراتيجية الحقيقية لمضيق هرمز بالنسبة الى ايران لا تكمن في القدرة على غلقه فعليا، بل في القدرة على التلويح بإمكانية ذلك، واستخدام هذا التهديد وسيلة لرفع كلفة الملاحة وخلق حالة اضطراب في سوق الطاقة العالمية.
ان الخطر الاساس لا يتمثل في احتمال غلق كامل لمضيق هرمز، بل في استمرار حالة عدم الاستقرار البحري منخفض الشدة، اذ تبقى فيها حركة الملاحة ممكنة لكنها، اكثر كلفة ومخاطر، وهذه البيئة تمنح طهران اداة ضغط مرنة ومهمة يمكن استخدامها او تهدئتها تبعا لمتطلبات لحظات الحرب والتصعيد التي تواجهها.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!