رئاسة الوزراء في العراق: بين القيود الدستورية وتوازنات الواقع السياسي

رئاسة الوزراء في العراق: بين القيود الدستورية وتوازنات الواقع السياسي

يشكل منصب رئاسة مجلس الوزراء في العراق مركز الثقل في السلطة التنفيذية، غير أنّ فعاليته ترتبط على نحوٍ وثيق بطبيعة الإطار الدستوري وآليات تفسيره وتطبيقه، فبين نصوص دستور العراق 2005، ولا سيما المادة (76)، التي تُنيط برئيس الجمهورية تكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عددًا)، وبين اجتهادات المحكمة الاتحادية العليا التي وسّعت مدلول هذه الكتلة، تتشكّل معادلة سياسية تُعيد توزيع مركز القرار من صندوق الاقتراع إلى فضاء التوافقات اللاحقة عليه.

لقد كان تفسير المحكمة لمفهوم الكتلة الأكبر نقطة تحوّل مفصلية، إذ لم يعد معيار الأحقية بالتكليف مقتصرًا على القائمة الفائزة انتخابيًا، بل امتد ليشمل الكتلة التي تتكوّن داخل البرلمان بعد الانتخابات عبر التحالفات، هذا التوسيع وإن استند إلى قراءة قانونية ممكنة أنتج أثرًا سياسيًا عميقًا تمثّل في نقل الحسم من لحظة التصويت الشعبي إلى مرحلة المساومات البرلمانية، وبذلك تراجعت مركزية الإرادة الانتخابية لصالح تفاوض النخب، ما أفضى عمليًا إلى إضعاف الصلة المباشرة بين الناخب ونتائج تشكيل السلطة التنفيذية.

انعكس هذا التحوّل على العملية الانتخابية ذاتها إذ باتت الانتخابات، في نظر قطاع من الرأي العام، خطوة أولى غير حاسمة، تُستكمل نتائجها في غرف التفاوض، هذا الإدراك يقلّص من القيمة الحافزة للمشاركة السياسية، ويغذّي الشعور بأن مخرجات الصناديق يمكن إعادة صياغتها لاحقًا، الأمر الذي يقترب من تفريغ العملية الانتخابية من مضمونها التمثيلي الكامل ومع تكرار هذا النمط، تتآكل الثقة العامة، ويُنظر إلى الاستحقاق الانتخابي بوصفه مدخلًا لتوزيع القوة بين الفاعلين السياسيين أكثر من كونه آليةً لحسمها.

في موازاة ذلك، يترسّخ نمط (مرشّح التسوية) بوصفه الخيار الأكثر قابليةً للمرور في بيئة سياسية منقسمة، فبدلًا من الدفع بشخصيات تمتلك برنامجًا واضحًا وتفويضًا سياسيًا قويًا، تميل القوى إلى اختيار شخصية وسطية لا تُثير حساسية الأطراف، هذا الخيار على ما فيه من براغماتية يأتي محمّلًا بكلفة مؤسسية؛ إذ يُقيَّد رئيس الوزراء منذ لحظة تكليفه بحزمة من التوازنات والاتفاقات التي كانت شرطًا لتمريره، ومع تعدد مراكز النفوذ، تتحول الحكومة إلى ساحة توزيع للترضيّات، ما يحدّ من القدرة على تبنّي سياسات حاسمة أو إصلاحات جذرية.

ويتعزز هذا التقييد بفكرةٍ ضمنية لدى بعض القوى مفادها تجنّب بروز مركز تنفيذي قوي قد يخلّ بتوازناتها. لذلك، تُصاغ ترتيبات غير مكتوبة تُبقي رئيس الوزراء ضمن هامشٍ محسوب من الحركة، وتُحيط قراراته بشبكة من الضوابط السياسية، وتكون النتيجة هي تقليص استقلالية القرار التنفيذي، وتحويل المنصب إلى إدارة للتوافقات بدلًا من قيادةٍ قادرة على المبادرة.

في هذا السياق، يتراجع أيضًا الحافز المؤسسي للنجاح، فحين تكون معايير البقاء في المنصب مرتبطة بالقدرة على إرضاء الشركاء أكثر من تحقيق منجزات قابلة للقياس، تميل الأولويات إلى الحفاظ على التوازن بدلًا من تعظيم الأداء، كما أن غياب تفويض انتخابي مباشر وقوي يُضعف أدوات المساءلة الإيجابية والسلبية على حد سواء، إذ تتوزع المسؤولية بين أطراف متعددة، فيصعب تحديد من يُكافأ على النجاح أو يُحاسَب على الاخفاق.

ولا يمكن فصل هذه الديناميات الداخلية عن البيئة الإقليمية والدولية، حيث يفرض التنافس الدولي والاقليمي ضغوطًا إضافية على صانع القرار العراقي، وان هذا التداخل بين العاملين الدولي والإقليمي لا يعمل بمعزل عن الداخل، بل يتقاطع معه عبر آليات معقدة، فالقوى السياسية العراقية نفسها ليست كيانات منفصلة عن هذه التأثيرات، بل ترتبط بدرجات متفاوتة بعلاقات خارجية، ما يجعل عملية التفاوض على منصب رئيس الوزراء انعكاساً لصراعات وتفاهمات تتجاوز حدود الدولة.

وعلى المدى الأبعد، يسهم هذا النمط من التأثير في ترسيخ حالة من عدم الاستقرار السياسي، إذ تبقى كل دورة انتخابية مفتوحة على احتمالات التعطيل والتأخير بانتظار نضوج التفاهمات الخارجية، كما يعزز ذلك من فكرة أن السلطة التنفيذية في العراق ليست مركز قرار مستقل بالكامل، بل جزء من شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية والدولية.

خلاصة القول، إن التفاعل بين نص دستوري قابل للتأويل وتفسير قضائي موسّع، قد أعاد تشكيل منطق إنتاج السلطة التنفيذية في العراق، فبدلًا من أن تكون الانتخابات آلية حاسمة تُفضي إلى تكليفٍ واضح، أصبحت محطة ضمن مسارٍ أطول تحكمه التفاهمات، وهذا المسار، رغم قدرته على تجنّب الانسداد أحيانًا، يحمل كلفة تتمثل في تقييد الفعالية التنفيذية، وتآكل الثقة بالعملية الانتخابية، وترسيخ نموذج (مرشّح التسوية) الذي يعمل ضمن حدودٍ مرسومة مسبقًا، وفي ظل هذه المعادلة، يبقى منصب رئاسة الوزراء محكومًا بالتوازن الدائم بين مقتضيات الشرعية الدستورية ومتطلبات التوافق السياسي، بما قد يفرغ المنصب جزئيًا من قدرته على الاستجابة الحاسمة لتحديات المرحلة.

ولمعالجة هذا الخلل البنيوي يتوجب علينا تحرير السلطة التنفيذية العليا المتمثلة بمنصب رئاسة الوزراء من القيود الداخلية والخارجية من خلال مسار اصلاحي متكامل يعمل على اعادة بناء قواعد اللعبة السياسية نفسها وذلك من خلال:

1-   حسم تعريف الكتلة الأكبر: تعديل أو تفسير ملزم لـدستور العراق 2005 يمنع إعادة تشكيل الكتل بعد الانتخابات.

2-   تنظيم تمويل الأحزاب: تشريع رقابي يمنع التمويل الخارجي ويُلزم بالشفافية المالية.

3-   تعزيز نزاهة الانتخابات: دعم استقلال المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ومنع تأثير المال السياسي والسلاح.

4-   بناء سياسة خارجية متوازنة: إدارة العلاقات مع الولايات المتحدة وإيران وفق مبدأ المصلحة الوطنية.

5-   تقوية مؤسسات الدولة: رفع كفاءة الأجهزة الأمنية والدبلوماسية لتقليل الاعتماد على الخارج.

6-   الانتقال من مرشح تسوية إلى برنامج حكومي: ربط التكليف ببرنامج واضح وخاضع للمساءلة.

7-   تفعيل المساءلة البرلمانية: ربط بقاء الحكومة بمستوى الإنجاز الفعلي.

8-   تقليل تشتت النظام الحزبي: تشجيع التحالفات البرامجية بدل الهويات الضيقة.

9-   تمكين المجتمع المدني والإعلام: تعزيز الرقابة الشعبية والضغط باتجاه استقلال القرار السياسي.

10-   رفع المشاركة الانتخابية: تقليل احتكار القرار من قبل القوى المنظمة فقط.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

د. حيدر الخفاجي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!