أثر إنسحاب الإمارات من منظمة أوبك على أمن الطاقة لدول الخليج

أثر إنسحاب الإمارات من منظمة أوبك على أمن الطاقة لدول الخليج

منذ حرب أكتوبر عام 1973م، استخدمت الدول العربية في منظمة أوبك، النفط كورقة ضغط سياسية واقتصادية، ضد الغرب من أجل اجبارهم على أتخاذ موقف حياد أو مساند للحقوق العربية، والضغط على الكيان الصهيوني، للانسحاب من الأراضي العربية التي أحتلها عام1967م.

تسببت ورقة الضغط القصوى التي كان العرب يمتاز بها، بأزمة طاقة عالمية، أدركت حينها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حجم القوة الناعمة التي يمتلكها العرب، ومدى تأثيرها على نظام الطاقة العالمي، إذ أضطر الغرب فيها إلى استخدام الفحم وأغلاق المصانع، وتأسيس وكالة الطاقة الدولية (IEA) نتيجة الخوف من نفاذ الطاقة، ونتيجة لذلك أدرك الغرب حجم تأثير القوة الاقتصادية، ومدى تراجع تأثير القوة العسكرية، لذا عملت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على التغلغل في هذا الكيان العملاق (أوبك)، من خلال خلق عدو وهمي في الأذهان يهدد مصالح الدول العربية، ولاسيما دول الخليج، وأنهم بحاجة إلى الحماية الغربية الدائمة، وهذا ما تم تجسيده على أرض الواقع في القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج، والشركات الأمريكية العملاقة العاملة في مجال البتروكيماويات (شيفرون)، وعلى الجانب الأخر عملت إسرائيل على توسيع اتفاقيات إبراهام مع الإمارات عام 2020، وتوقيع شركة "مصافي النفط" الإسرائيلية (Bazan) اتفاقية شراكة مع شركة "المزروعي الدولية" في العاصمة أبو ظبي لمشاريع في قطاع البوليمرات.

ومنذ تاريخ تطبيع الكيان مع الإمارات، شهدت العلاقات السعوديةـــــ الإماراتية توتر ومنافسة كبيرة، إذ شهد تدخل دولة الإمارات في عدة ملفات دولية وإقليمية شائكة ومعقدة، بدءً من القارة الأفريقية في الصومال والسودان وإثيوبيا في مجال الاستثمارات والأمن الغذائي وشركات المعادن الكبرى، مروراً باليمن، وانتهاءً بمنظمة أوبك نفسها، إذ أعلنت الإمارات انسحابها من المنظمة التي تضم "أوبك" وتحالف "أوبك+" في 28 أبريل/ نيسان 2026، على أنَ يدخل هذا القرار حيز التنفيذ في 1 مايو/ ايار من العام الحالي؛ ويكمن خلف هذا الانسحاب عدة أهداف تصب في مصلحة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وآثار على الأمن الطاقوي لدول الخليج، وهي على النحو الآتي:

 

أولا: الأهـــداف الأمريكية- الإسرائيلية

1- إضعاف النفوذ العربي: وذلك من خلال تفكيك الكتلة النفطية كأداة ضغط سياسي دولي وتقليل نفوذ المملكة العربية السعودية وهيمنتها على أوبك من خلال إضعاف الدور القيادي لها في سوق الطاقة إقليمياً ودولياً، إضافة إلى دورها السياسي، نتيجة خروج الإمارات من المنظمة.

2- ترسيخ التحالفات الثنائية الاقتصادية بين إسرائيل والإمارات: كانت دولة الإمارات في ظل تكتل أوبك تنتج (3) مليون برميل من النفط يومياً، إذ كان هذا الإنتاج محدد من قبل أوبك نفسها، وهي بانسحابها منه تحاول التحرر من القيود المفروضة عليها، وتطمح إلى زيادة نسبة الإنتاج إلى (5) مليون برميل يومياً، وهذا ما يفتح الباب أمام شركات نفطية إسرائيلية مباشرة في قطاع الطاقة الإماراتي بعيداً عن قيود المنظمة.

3- تعزيز مشاريع نقل النفط: يواجه خط أنابيب إيلات- عسقلان، الإسرائيلي معارضة كبيرة داخل الكتل العربية في أوبك، إذ تطمح إسرائيل من خلال هذا المشروع على نقل النفط الإماراتي إلى أوروبا.

4- استقرار الأسعار: تهدف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من خلال هذا الانسحاب، إلى زيادة الإنتاج من أجل خفض أسعار الطاقة العالمية، وهذا ما تواجهه أوبك عادةً، من أجل الحفاظ على توازن السوق، ولاسيما أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب في ولايته الأولى صرح في عام 2018 وأتهم منظمة أوبك بــــ "سرقة العالم" عبر رفع الأسعار، ووجه هذا التصريح مباشرة إلى دول الخليج وعلى رأسهم السعودية، إذ قال "أننا نحمي هذه الدول ونقدم لهم الكثير مقابل لا شيء".

5- تطويق الخصوم: تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على كسر روابط التنسيق بين إيران والجزائر مع دول الخليج، وهذا يصب في مصلحة الأخيرة ضمن سياسة "عزل القوى المنافسة".

 

ثانيا: الآثار على أمن الطاقة لدول الخليج

من الممكن أنًّ يترك انسحاب الإمارات من منظمة أوبك، على المدى القصير والبعيد، عدة آثار على أمن الطاقة لدول الخليج، من عدة جوانب استراتيجية وهيكلية، وهي على النحو الآتي:

1- يعمل الانسحاب على تفكيك التكتل لدول الخليج العربي، وعلى القدرة في التصرف ككتلة واحدة في الأسواق العالمية، وقد تحذو دول أخرى في أوبك حذو الإمارات من أجل زيادة الإنتاج، والتحرر من القيود المفروضة من قبل المنظمة على الإنتاج.

2- ازدياد حدة المنافسة الطاقوية بين الإمارات والمملكة العربية السعودية، في مجال زيادة الإنتاج.

3- يترك هذا الانسحاب عبئاً كبيراً على السعودية والمنتجين الأخرين، في موازنة السوق ومنع انزلاق وانهيار الأسعار.

4- سوف يؤدي ضخ الإمارات كميات كبيرة من الإنتاج، إلى زيادة العرض وبهذا سوف تتأثر عائدات أو واردات النفط للدول الخليجية الأخرى.

5- يضعف هذا الانسحاب لدول الخليج ورقة الضغط الاقتصادية أو القدرة التفاوضية للمنظمة، كدول منتجة للنفط، أمام الدول المستهلكة الكبرى مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

في الختام يتضح لنا، أنَ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تهدف إلى خلق قطب اقتصادي مستقل، متجسد في الإمارات، من أجل مواجهة أزمات الطاقة العالمية، وتقليل أسعار النفط لدى دول الخليج عن طريق زيادة الإنتاج، ولاسيما بعد أن برهنت وترجمة أزمة مضيق هرمز الوهن الكبير الذي تعرضت له الدول الغربية، نتيجة أغلاق المضيق وتوقف الإنتاج والتصدير بسبب الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، وترسيخ الاتفاقيات الإبراهيمية مع الإمارات (التطبيع) من أجل المضي قدماً لتعزيز خطوط نقل الطاقة من الأخيرة إلى أوروبا، وزيادة نفوذ الشركات الإسرائيلية في المنطقة، تمهيداً لتفتيت ورقة الضغط الخليجية (النفط) التي يمتلكها تجاه الغرب، وتقليل اعتمادهم عليها.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

رياض جليل جمعة

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!