يشكل الصراع والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل من جهة، والجمهورية الاسلامية الايرانية من جهة اخرى، واحداً من اخطر التحديات التي تواجه الامن القومي العراقي بمستوياته كافة، ونظراً للموقع الجغرافي للعراق، والارتباطات العقائدية والسياسية والاقتصادية مع طرفي الصراع، فأن اي مواجهة مباشرة او موسعة بينهما لا يمثل ازمة اقليمية فحسب، بل يتحول الى تهديد وجودي لاستقرار الدولة العراقية:
اولا: التداعيات السياسية
اهم تداعيات هذا الصراع والتصعيد تمثل بافتعال ازمة عدم القدرة على اتخاذ القرار الوطني وتعطيل التوافق السياسي، فالعراق سياسياً وجد نفسه بوضع لا يحسد عليه، فالتجاذبات الحاصلة بين المحورين انعكست مباشرة على ترشيح شخصية وطنية لمنصب رئيس مجلس الوزراء، ورغم إن القوى السياسية تعاني اساساً من انقسامات حادة مسبقاً، الا ان تغريدة الرئيس ترامب ضد المالكي التي سبقها وصول رسالة مرشد الجمهورية الايرانية السابق بمباركة ترشيحه من قبل الاطار التنسيقي، زاد وعقد هذا الانقسام بشكل غير مسبوق من حيث الوضوح والعلانية، مما انعكس على باقي المفاصل وادى الى شلل في اتخاذ القرارات المصيرية.
لقد كرس هذا الصراع والتوتر الاقليمي التعطيل لمسار تشكيل الحكومة وتسمية رئيس الوزراء، ففي ظل هذا الصراع والحرب تصاعدت حدة الاستقطاب، اذ استخدمت المواقع العليا في الدولة كأوراق ضغط تصعيدية للمحورين؛ ويسعى الطرفان المتصارعان الى ضمان وجود شخصيات تضمن تحييد العراق او دعمه، مما يحول عملية اختيار رئيس الوزراء الى ساحة صراع بالوكالة.
هذا التعطيل لا يقف عند حدود التسمية، بل امتد الى تعطيل المؤسسات الاخرى كالسلطة التشريعية التي تجد نفسها عاجزة عن تمرير قوانين ومواقف توازن بين المصالح الوطنية والضغوط الخارجية، مما يفاقم من أزمة الشرعية السياسية.
ثانيا: التداعيات الامنية
اكثر الدول تضررا بهذا الصراع والحرب عملياتياً هو العراق الذي دخل في سياق التدويل وتهديد السيادة امنياً، فقد اخترقت اجواءه وانتهكت سيادته بكل مستوياتها، واصبحت منطلقا للهجمات ضد ايران، وساحة للاستهداف من قبل طهران للمصالح الامريكية الموجودة فيه، وواجه العراق مسار التحول الى ساحة لتصفية الحسابات، فهو الطرف الوحيد الذي استهدف امنياً من اربعة اطراف، احد هذه الاطراف داخلي محسوب عليه، تستهدف مصالح امريكية واسرائيلية في الدول المجاورة، ما عقد علاقته بهذه الدول، فالانفتاح الجغرافي والحدود المفتوحة والتسامح السياسي وتداخل السلطات الامنية جعلت من العراق بيئة خصبة لهجمات متبادلة، سواء عبر الفصائل المسلحة او من خلال الضربات الجوية الاستباقية للطرفين.
ان تآكل مفهوم سيادة الدولة هو الارتداد الأبرز؛ حيث تصبح القواعد العسكرية والمنشآت الاستراتيجية اهدافاً مشروعة في حسابات القوى المتصارعة، مما وضع القوات الامنية العراقية في حرج دائم، بين واجب حماية الاجواء والأراضي وملاحقة الفصائل، وبين عجزها عن مواجهة قوى دولية تفوقها تقنياً وعسكرياً، ما اضعف الموقف السياسي والسيادي للعراق داخلياً وخارجياً، وهذا له انعكاسات سياسية سلبية كبيرة.
ثالثا: التداعيات الاقتصادية والمالية
ايضاً من اشد الدول تضررا في المنطقة من هذه الحرب اقتصاديا وماليا هو العراق الذي يعاني من هشاشة اقتصاده ونظامه المالي، فاقتصادياً، يعتمد العراق بشكل شبه كلي على تصدير النفط عبر موانئ الخليج، واي تصعيد في المنطقة يعني تهديداً مباشراً لممرات الطاقة. ان اشتعال فتيل الحرب سيؤدي حتماً الى ارتفاع تكاليف التأمين البحري مما يثقل كاهل الميزانية العامة، ويهدد الرواتب والانفاق وكل المفاصل الاستثمارية والمالية الاخرى.
ايضا ادى غلق مضيق هرمز المنفذ الوحيد لتصدير النفط واحد اهم المنافذ البحرية للاستيراد الى تعطيل سلاسل الإمداد، وادى الى تضخم واضح وارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات الأساسية.
كما يواجه العراق الان الضغوط المالية الأمريكية التي تستخدمها واشنطن كورقة ضغط لقطع العلاقات المالية او المصرفية مع طهران، وملاحقة الفصائل المسلحة وتجفيف مواردها المالية، مما يضع النظام المصرفي العراقي امام خيارات صعبة ستؤدي ان استمر هذا الصراع وعادت الحرب الى عقوبات دولية او انهيار في سعر الصرف بسبب عدم ضخ الدولار من جهة وعدم وجود مبيعات نفطية تستدعي ارسال شحنات مالية من الدولار من قبل البنك الفيدرالي الامريكي، وللبعد الاقتصادي والمالي من حيث التراجع والتدهور انعكاسات وخيمة اجتماعية على العراق لعدم قدرته على التكيف والتخلي عن سياقات الاستقرار والرفاه الاجتماعي لشعبه.
رابعا: التداعيات الاجتماعية
خلف الصراع والحرب استقطاباً للهويات وتصدعات اجتماعية، كما ولد الصراع خطراً على السلم الاهلي الذي استقر بعد الانتصار على تنظيم داعش، والحال مسألة طبيعية، فان تعاظم الاستقطاب الاقليمي بين المحاور المتصارعة يغذي الانقسامات المجتمعية داخل العراق بناءً على الاصطفافات الأيديولوجية او المذهبية. هذا الاستقطاب يعمل على اضعاف الهوية الوطنية العراقية لصالح الهوية العابرة للحدود، مما يقلل من فرص التماسك المجتمعي في مواجهة الازمات، ويجعل المجتمع عرضة للانفجار من الداخل نتيجة الضغوط المعيشية وتراجع الوضع الاقتصادي لطبقة الموظفين التي ستدفع ضريبة التوتر والتصعيد والحرب ان استمرت اكثر، وهذا ما نراه واضحاً ازاء التموضع الاجتماعي من هذا الصراع تأييدا لهذا المحور ورفضاً لذاك.
حقيقة إن العراق اليوم امام مفترق طرق حرج، فإن استمرار سياسة النأي بالنفس لم تعد كافية في ظل صراع يبدو انه ممتد ولا أُفق واضح لانتهاءه في المنظور القريب ووضع العراق لا يحتمل، بسبب اخفاق قواه السياسية ببناء اقتصاد قوي خارج الريع، ولا منظومة امنية عسكرية شاملة قوية تتحكم بسماء وارض العراق، ولا مشروع وطني عابر للهويات والطائفية بسبب اعتماد هذه القوى على هذه المتغيرات في البقاء والوجود السياسي السلطوي.
يتطلب الوضع الحالي استراتيجية وطنية متماسكة ترتكز على تحييد العراق كأولوية قصوى، وتفعيل الدبلوماسية الوقائية لمنع تحويل الأراضي العراقية الى ساحة حرب. وهذا يبدأ من اختيار رئيس وزراء قادر على التعاطي والتعامل مع هذه التداعيات والتحديات والمعطيات الجارية وتقليل انعكاساتها على العراق، ثم حكومة قوية مخولة بالعمل من الان على بناء ما تم اهماله او هدمه سابقاً.
خروج العراق من هذا المأزق مرهون بقدرة نخبه السياسية على تغليب المصلحة الوطنية العليا على الارتهان للمحاور الإقليمية والدولية، فالحرب، ان استمرت، لن تفرق بين طرف وآخر في تدمير ما تبقى وما يمكن التعويل عليه، ومن خلال ما يجرى الان من حيثيات ومجريات سياسية، فان مؤشرات التعويل على النخبة السياسية لانتهاج مشروع وطني عراقي يعمل على بناء الدول، لا تبدو حاضرة في المنظور القريب.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!