الغدير ومنهج بناء الوعي.. مقاربة في الولاية والعدالة والمسؤولية الاجتماعية

الغدير ومنهج بناء الوعي.. مقاربة في الولاية والعدالة والمسؤولية الاجتماعية
تعد مناسبة عيد الغدير إحدى المحطات المركزية في الوجدان الإسلامي والشيعي على نحو خاص، إذ ارتبطت تاريخيا بإعلان النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ولاية الإمام علي (عليه السلام) في أواخر حياته الشريفة...

فأصبحت في الاثر الديني رمزا لمعنى الإمامة والقيادة وامتداد الرسالة، غير أن الاقتصار على البعد التاريخي لهذه المناسبة يختزل طاقتها الفكرية، ويحولها إلى ذكرى موسمية منفصلة عن أسئلة الواقع وحاجاته، فالغدير في جوهره لا يقدم تصورا للقيادة بوصفها امتيازا أو وراثة اجتماعية، بل بوصفها مسؤولية أخلاقية ومعرفية ترتبط بالعدل، وحفظ الكرامة، ومقاومة الانحراف، وبناء المجتمع على أساس الحق.

وبذلك يصبح السؤال المركزي هو: كيف يمكن لمناسبة الغدير أن تتحول من ذكرى دينية متوارثة إلى تجربة ثقافية وفلسفية قادرة على تنشيط وعي المجتمع الشيعي المعاصر، وإنتاج قيم إصلاحية تتجاوز الانغلاق والطائفية؟.

المغزى الستراتيجي للغدير في الواقع العراقي

يكتسب الغدير مغزاه الستراتيجي في الواقع العراقي المعاصر من كونه لا يقدم معنى منفصلا عن أسئلة الدولة والمجتمع، بل يضع الولاية في موضع المعيار الأخلاقي والمعرفي لإدارة الشأن العام، فالعراق بما يواجهه من أزمات ثقة، وتراجع في فاعلية المؤسسات، واختلاط بين السلطة والمصلحة، يحتاج إلى استعادة المعنى العميق للقيادة بوصفها مسؤولية لا امتيازا، وخدمة لا تملك، وعدالة لا مجرد حضور رمزي، ومن هذه الزاوية، يصبح الغدير مناسبة لإعادة بناء الضمير العام حول قيم النزاهة، والكفاءة، والمساءلة، وحماية كرامة الإنسان، ومقاومة الفساد والاستبداد، أي إنه يتحول من ذاكرة دينية خاصة إلى رافعة ثقافية لإنتاج مواطن واعي، ومجتمع متماسك، وسلطة تقاس بشرعية العدل لا بشرعية القوة أو الوراثة أو الاصطفاف الفئوي.

من الحدث التاريخي إلى منظومة الوعي

إن القيمة الكبرى للحدث الغديري تكمن في قابليته لإنتاج منظومة وعي، فالحدث الديني حين ينفصل عن سؤال الحاضر يتحول إلى مادة رمزية ساكنة، أما حين يعاد تأويله ضمن مشكلات المجتمع فإنه يصبح طاقة نقدية وبنائية.

من هنا يمكن النظر إلى الغدير بوصفه انتقالا من الذاكرة إلى المنهج، فالولاية ليست مجرد عنوان ولائي أو انتماء شعاري، بل معيار يختبر علاقة الفرد بالحق، وعلاقة المجتمع بالعدل، وعلاقة السلطة بالمسؤولية، وكلما اتسعت هذه القراءة، أمكن تحويل الغدير من مناسبة يحييها الناس إلى مشروع يحيي الناس، أي إلى بنية ثقافية ترفد المجتمع بقيم الوعي، والمبادرة، والمحاسبة، والانفتاح على الإصلاح.

الولاية معيارا معرفيا وأخلاقيا للسلطة

لا تكون السلطة مجرد قدرة على الحكم أو إدارة جماعة، بل تكون تعبيرا عن أهلية معرفية وأخلاقية، تصل بين البعد الغيبي والبعد التاريخي، لأنها تجعل حضور المعنى الإلهي في الواقع مشروطا بالعدل، والاستقامة، والقدرة على تمثيل الحق في حياة الناس، ولذلك لا تستمد السلطة شرعيتها من القوة، ولا من الوراثة، ولا من الانتماء الاجتماعي وحده، بل من قدرتها على صيانة كرامة الإنسان وتحقيق قيم العدالة.

وتترتب على ذلك نتيجة مهمة: إن استحضار الغدير في الحاضر لا يعني البحث عن رمزية سياسية جاهزة فحسب، بل يعني بناء حس نقدي تجاه كل سلطة تفصل القوة عن الأخلاق، أو تجعل الشرعية غطاء لغياب المساءلة، وهذا ما يمنح الغدير قدرة مستمرة على تجديد الوعي السياسي والاجتماعي، شرط أن يقرأ بوصفه معيارا لا بوصفه شعارا.

الأبعاد الثقافية والاجتماعية للوعي الغديري

لا يكتمل الوعي الغديري إذا بقي محصورا في اللغة العقدية المجردة، إذ لا بد أن يتجسد في الثقافة اليومية للمجتمع، فالحدث الرمزي يكتسب أثره حين يتحول إلى منظومة سلوك، وإلى قدرة على إنتاج مبادرات معرفية وفنية وإعلامية وتربوية، ومن هنا تتصل الولاية بمفاهيم النزاهة، والإنصاف، والتضامن، والحرص على الصالح العام، ومقاومة الفساد بوصفه نقيضا للعدل.

تتطلب هذه المقاربة بناء ثقافة تربط الفرد بالمجتمع، وتربط الأجيال المتعاقبة بالمعنى الحي للرموز الدينية، فالجيل المعاصر لا يتعامل مع المفاهيم الدينية بالطريقة ذاتها التي تعاملت بها الأجيال السابقة، إذ بات يتلقى المعرفة عبر الوسائط الرقمية، والصورة، والفيديو، والمنصات التفاعلية، لذلك فإن تقديم الغدير بلغة معاصرة لا يعني تفريغه من مضمونه، بل يعني جعله قابلا للفهم والتطبيق في الحياة اليومية.

ومن جهة أخرى، يمكن للغدير أن يكون مجالا لبناء جسور ثقافية أوسع، إذا جرى التركيز على قيمه الإنسانية المشتركة: العدل، والصدق، والمسؤولية، ورفض الظلم، فالقراءة المنفتحة لا تلغي الخصوصية العقدية، لكنها تمنع تحولها إلى عزلة ثقافية أو خطاب طائفي.

تحديات إعادة إنتاج الغدير

تواجه عملية إعادة إنتاج الغدير بوصفه مشروعا ثقافيا عدة تحديات:

أولها: الطائفية/ حين تختزل المناسبة في ذاكرة مغلقة لا ترى في الآخر إلا خصما، وهذا الاختزال يحجب القيمة الإنسانية للغدير، ويمنعه من أن يكون خطابا في العدالة موجها إلى الإنسان بما هو إنسان، لذلك فإن تحويل الغدير إلى حدث إنساني عادل لا يتطلب التنازل عن العقيدة، بل يتطلب عدم توقفها فحسب على الاحتفال التاريخي.

أما التحدي الثاني: الانكفاء على الذات/ إذ ان المجتمعات التي تضعف فيها المؤسسات الثقافية والمعرفية تميل إلى تحويل الرموز إلى مظاهر، وعندئذ يصبح الغدير فحسب مادة للاحتفال المتكرر لا مناسبة للتفكير المتجدد، وهذا يفسر الحاجة إلى مراكز بحثية تجعل من الغدير موضوعا للدراسة لا مجرد عنوان للمناسبة.

والتحدي الثالث: الاستهلاك السياسي للرمز/ إذ قد يستخدم الغدير أحيانا لتثبيت اصطفافات فئوية أو شرعنة مواقف عابرة، غير أن القراءة المحكمة للغدير تفرض عكس ذلك، فهي تجعل الرمز معيارا لمحاسبة السياسة لا أداة لتبريرها، وتجعل الولاية مسؤولية تجاه الناس لا امتيازا فوقهم.

برنامج ثقافي تطبيقي للوعي الغديري

إن تحويل الغدير إلى مشروع حضاري يتطلب الانتقال من الخطاب العام إلى البرنامج العملي، ويمكن لهذا البرنامج أن يقوم على ثلاثة مسارات متكاملة:

1- مسار معرفي: ينبغي تأسيس حاضنات بحثية داخل الجامعات ومراكز الدراسات تعنى بتحليل دلالات الغدير فلسفيا واجتماعيا، وتشجع على إنتاج بحوث رصينة تبتعد عن التكرار الإنشائي.

2- مسار إعلامي: يجب إنتاج محتوى رقمي متعدد الصيغ: مقالات قصيرة، بودكاست، أفلام وثائقية مختصرة، إنفوغرافك، وسلاسل معرفية تستهدف الشباب بلغة واضحة، ولا ينبغي أن يكون الهدف إعادة سرد الحدث فقط، بل عرض أثره في قضايا الحياة المعاصرة: العدالة، الإدارة الرشيدة، مكافحة الفساد، المسؤولية الاجتماعية، وبناء الثقة بين القيادة والمجتمع.

3- مسار مجتمعي وفني: يتعلق بإطلاق ملتقيات أدبية وفنية ومسابقات بحثية تحفز الأدباء والفنانين والطلبة على التعبير عن روح الغدير بصورة إبداعية، وبذلك يساهمان في بناء وعي مستنير لا يكتفي بالمعرفة النظرية، بل يترجمها إلى ذوق وسلوك وثقافة عامة.

في الختام

إن إعادة قراءة الغدير من منظور معرفي واجتماعي تكشف أن المناسبة لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل تملك قابلية مستمرة لإنتاج معنى في الحاضر، فهي تشير إلى أن القيادة لا تكتسب قيمتها من الشكل أو القوة أو الانتماء، بل من ارتباطها بالحق والعدل وخدمة الإنسان، ومن ثم فإن الغدير في صيغته الحضارية دعوة دائمة إلى بناء العقل والضمير، وإن القيمة العملية للغدير اليوم تكمن في قدرته على أن يكون معيارا نقديا وأخلاقيا، وكلما اقتربت المجتمعات من هذا المعنى، تحول الغدير من مناسبة تستعاد في الزمن إلى وعي يحرك التاريخ.

..........................

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

حيدر الحيدر الاجودي

حيدر الحيدر الاجودي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!