صولة الفجر.. هل بدأت معركة الإصلاح الحقيقي؟

صولة الفجر.. هل بدأت معركة الإصلاح الحقيقي؟
تمثّل العملية التي اصطلح على تسميتها بـ(صولة الفجر) تحولاً على مستوى مكافحة الفساد في العراق، على مستوى الأهداف والأسلوب، إذ لأول مرة تستخدم الحكومة العراقية قوّة أمنية بهذه الطريقة..

لتنفيذ أوامر إلقاء القبض والاستقدام بحق المتهمين بقضايا الفساد المالي، كما أنها لأول مرة تنفّذ عملية تستهدف رموز سياسية منها من ينتمي للصفّ الأول على مستوى الطبقة السياسية في العراق.

هذه العملية أثارت العديد من الأسئلة على مستوى الشارع العراقي؛ لاسيما حول مدى جديّة العملية وحقيقة الأهداف التي وضعتها ومدى قدرة الحكومة في استقدام رموزاً سياسية تمتلك من التأثير الكبير على مستوى الشارع العراقي إذا ما امتلكت الأدلة الثبوتية التي تدينها بالمشاركة في عمليات الفساد.

 

قرار بلا رجعة

أكّد السيد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي أن قرار مكافحة الفساد بالنسبة لحكومته لا رجعة فيه، وأن الحكومة ماضية بتنفيذ خطتها في استعادة أموال العراقيين ممن أثرى على حساب المال العام طيلة السنوات الماضية.

ويبقى الأمل الوحيد الذي قدمته الحكومة للمتهمين بقضايا الفساد منوط بإرجاعهم للأموال التي جمعوها بعمليات شابها الفساد المالي، وإلاّ فالملاحقة والاعتقال مصيرهم، هذا القرار يحظى اليوم بدعم كبير على مستوى الشارع العراقي، بل إن العديد من القوى السياسية أبدت تأييدها للحكومة في نهجها الجديد بما فيها تلك المتهمة اليوم بالضلوع في عمليات الفساد المالي وتحوم حولها الشبهات، الأمر الذي قد يشكّل عاملاً مشجعّاً للحكومة في المضي قدماً بمسيرة مكافحة الفساد وتصعيد حملتها في مطاردة الفاسدين.

 

الحملة حقيقيّة

مما لاشك فيه، إن الحملة التي نراها اليوم تشكّل حقيقة ماثلة أمام الجميع، وأن الحكومة تتعامل بجديّة مع ملفات الفساد بما في ذلك متابعة وملاحقة المتهمين بهذه العمليات سواء أكانوا موظفين حكوميين ضمن أجهزة الدولة أم سياسيّين، ولذلك -في تصوري- عاملان لا يمكن تجاهلهما؛ أولهما عامل داخلي يتعلّق بواقع الاقتصاد العراقي الذي يعيش في هذه المرحلة أياماً صعبة للغاية في ظل تقديرات تشير لعجز الدولة عن توفير رواتب موظفيها خلال الشهرين القادمين، بالتالي فالحكومة تندفع اليوم لمعالجة حالات الفساد في محاولة لردم الفجوة المالية التي يعانيها العراق والتي قد تنذر باضطراب اقتصادي واجتماعي خلال الأشهر القادمة بما يهدد السلم والأمن المجتمعي.

أما ثاني هذه العوامل فيتمثل في العامل الخارجي، إذ أن الضغوط الأميركية باتت تؤشّر لإحتمال فرض عقوبات اقتصادية قادمة تتعلق بالقطاع المالي في العراق مالم يعالج العراق عمليات تهريب العملة إلى الخارج، فضلاً عن تصنيف العراق من قبل مجموعة العمل المالي (FATF) في المنطقة الرمادية على مستوى مكافحة الفساد وتمويل الإرهاب، ما يعني مزيدا من الرقابة على إجراءات التحويلات المالية خارج العراق ورفع معدلات التدقيق على الحوالات الخارجية نحو العراق.

كل ذلك يعني أن العراق بحاجة اليوم لتفعيل إجراءات المحاسبة والمتابعة لملفات الفساد المالي كونها مصدر مهم لعمليات غسيل الأموال والجريمة المنظمة، ومحاولة تفعيل مبدأ الرقابة المؤسسية كخطوة استباقية تعزّز الشفافيّة والنزاهة في العراق خلال المرحلة القادمة وتعيد الثقة بالنظام المالي والمصرفي العراقي، بالتالي فالحملة حقيقية ودوافعها قوية وضاغطة اليوم على مستوى الدولة العراقية سواء أكنّا نتكلم عن الدوافع الداخلية أم الخارجية.

 

بين الشكل والمضمون

مع ضرورات الإصلاح التي ذكرت آنفاً سواء أكانت على المستوى الداخلي أو الخارجي ومسار الحكومة في مكافحة الفساد، فإننا بحاجة للتذكير أن عملية الإصلاح سواء على مستوى العراق أم غيره لا ترتبط بعمليات الملاحقة القضائية لسارقي المال العام وإنما تشكّل منظومة متكاملة تتضمن إصلاح القضاء وتعزيز إجراءات الرقابة الحكومية سواء على مستوى المناقصات أو العقود، بالتالي فـ(صولة الفجر) قد تشكّل خطوة مهمة لكنها بحاجة لما يعزّزها مستقبلاً.

فالقبول بخطة استرجاع بعض ما سُلب من أموال العراق للأعوام الماضية دون محاسبة حقيقية للفاسدين، معناه بقاء منظومة الفساد وإن ارتضت بإعادة جزء من مكتسباتها، كما أن الواقع في العراق -في حقيقته- مقيّداً بعدة قيود منها الداخلي ومنها الخارجي، فعلي مستوى القيود الداخلية هناك القوى السياسية ذات التأثير في الشارع العراقي، والتي من شأنها أن تعيق هذه العملية وتحول دون انتقالها لتصبح مساراً وطنياً خلال المرحلة القادمة.

كذلك هناك العامل الخارجي، إذ أن العديد من القوى السياسية في العراق والتي تحوم حولها شبهات الفساد لها امتدادات خارجية مهمة، الأمر الذي قد يعوق عمليات الملاحقة والمحاسبة التي شرعت فيها الحكومة العراقية بسبب الضغوط الخارجية على سياسيات الحكومة ومواقفها.

 

ختاماً، تقول منظمة الشفافية الدولية: "إن الفساد في العراق هيكلي ومنظّم"، بالتالي فإن تصوّر إمكانية معالجته بخطوات جزئية أمراً مستبعداً وإن تمكنت هذه الخطوات من الحد من آثاره واستعادة جزءاً من أموال الدولة العراقية، فالمنظومة ستبقى قادرة على استعادة وضعها بإستيعاب الحرب عليها والعودة للنمو مرة ثانية متى ما حانت الفرصة لذلك.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

د. حسام ممدوح

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!