دور تحالف باكس سيليكا في تشكيل المنافسة التكنولوجية العالمية

دور تحالف باكس سيليكا في تشكيل المنافسة التكنولوجية العالمية
يشهد العالم اليوم وتيرة متسارعة من التطور التكنولوجي والتقني الفائق، وخلقت تلك الوتيرة نتيجة تباين القوى الكبرى في امتلاكها للمعادن النادرة (الحرجة) وأشباه الموصلات ورقائق السليكا منافسة عالمية تكنولوجية وتقنية فائقة...

 إذ تعد تلك المعادن (النادرة) والرقائق الإلكترونية العنصر الأساس في تكوين آلة الحرب واستدامة وديمومة عجلة الاقتصاد العالمي للقوى الكبرى.

فمن يمتلك اليوم المعادن النادرة يفرض هيمنته على مصادر الطاقة وسلاسل التوريد العالمية، فلم يعد الأمر مقترناً أو محصوراً على ترسانة الدول العسكرية (التقليدية منها والنووية) فحسب، وإنما قدرته في السيطرة على تلك الرقائق والمعادن الحرجة ومصادر الطاقة المتنوعة، وضمان تدفقها للدولة المنشأة للمجالات التكنولوجية والتقنية الهامة، من دون مخاطر وتحديات جيوـــ أمنية، وجيوــــ سيبرانية.

فمسألة تأمينها لا يتعلق فقط بضمان أمدادها وتدفقها، وإنما بقدرة الدولة المصنعة على تأمين الملكية الفكرية لها، وحمايتها من السرقة والهجمات السيبرانية المدمرة، وهذا الواقع التقني والتكنولوجي في اطار المنافسة العالمية جسدته القوى الكبرى، ولاسيما الصين والولايات المتحدة الأمريكية على نحو أكبر، إضافة إلى روسيا وكوريا الشمالية على نحو أقل، إذ تتعرض الملكية الفكرية الأمريكية التكنولوجية والتقنية إلى عمليات قرصنة صينية مستمرة، هدفها سرقة البيانات وتدمير الملفات ونسخ التصاميم.

وفي المقابل، عملت الولايات المتحدة الأمريكية جاهدة في الحفاظ على ملكيتها الفكرية وسد ثغراتها الأمنية الحساسة والخطيرة، وضمان الوصول إلى المعادن النادرة من خلال تشكيل "تحالف باكس سليكيا"، إذ أعلنت الولايات المتحدة في كانون الأول من عام 2025 عن مبادرة دولية، تهدف إلى بناء سلاسل توريد آمنة وموثوقة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدءاً من المعادن الحيوية النادرة ومصادر الطاقة المتنوعة، مروراً بأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، وصولاً إلى البنية التحتية للحوسبة السحابية؛ إذ يلعب التحالف دوراً محورياً في إعادة تشكيل المنافسة التكنولوجية العالمية عبر الآليات الآتية:

أولاً/ الدول المؤسسة

 يضم التحالف مجموعة من الدول الرائدة والمتقدمة في قطاع التكنولوجيا والمدخلات الحيوية، وتشمل هذه الدول: الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، أستراليا، اليابان، كوريا الجنوبية، سنغافورة، إسرائيل، ودول عربية منضمة للتحالف مثل: قطر والإمارات العربية المتحدة، ودول أخرى انضمت لأحقاً مثل: هولندا والسويد وفنلندا والنرويج وغيرها لتعزيز شبكة التحالف العالمية.

ثانياً/ تقويض الهيمنة الصينية

 يستهدف هذا التحالف في الأساس كسر الاحتكار الصيني، لسلاسل إمداد المعادن النادرة ومعالجتها، إذ تتحكم بكين في أجزاء واسعة منها، مما يخلق تكتلاً اقتصادياً وتقنياً موازياً، وهذه المعادن الحرجة تدخل في مجالات تقنية حساسة لا غنى عنها في أنظمة الذكاء الاصطناعي وأنظمة الصواريخ الدقيقة المتطورة (المتوسطة وبعيدة المدى) وأنظمة الرادارات والحوسبة الكمومية (ميكانيكا الكم).

ثالثاً/ تكامل سلسلة القيمة العالمية

 يعيد التحالف هندسة جغرافيا التكنولوجيا، من خلال توزيع الأدوار بين الدول الحليفة، استناداً إلى ميزانيتها النسبية؛ إذ أنَّ اليابان وكوريا الجنوبية (تعد الأولى جزء من الدول الصناعية الخمس G5) تقودان التصنيع، بينما توفر دول أخرى مثل هولندا وسنغافورة والولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع دول إقليمية مثل الإمارات وقطر وإسرائيل، والهند البنية التحتية والاستثمارات التقنية، ومن المرجح أن تقود قطر على مستوى دول الشرق الأوسط المنافسة والبنية التحتية في مجال رقائق السليكيا، أو بما يسمى "بحقبة السليكيا".

رابعاً/ وضع معايير الحوكمة

 يسعى تحالف باكس سليكيا، إلى خلق معايير موحدة للذكاء الاصطناعي تتوافق مع المنظومة الغربية، وضمان شبكات اتصالات وبنية تحتية آمنة خالية من التدخل الخارجي، ولاسيما الخصوم (روسيا، الصين، وكوريا الشمالية).

خامساً/ الأمن القومي كسياسة صناعية

 يؤكد التحالف على دمج التفوق التقني مع الأمن القومي، إذ تساهم الاستثمارات في مراكز البيانات وشبكات الجيل السادس في حماية المعلومات والابتكارات الحساسة من الوصول غير المصرح به.

سادساً/ تقسيم العالم إلى كتل تكنولوجية متداخلة

 يدفع هذا التحالف البنيوي الضخم النظام الدولي نحو حالة من التفتت الرقمي، إذ يتشكل المشهد من قطبين أساسيين:

1- المعسكر الغربي وحلفاؤه: من خلال خلق بيئة تقنية مؤمنة تقودها واشنطن، وتضم أطرافاً رئيسة مثل بريطانيا واليابان وأستراليا وسنغافورة وإسرائيل.

2- المعسكر الصيني: عن طريق انشاء شبكة صناعية ورقمية موازية تعتمد على الاكتفاء الذاتي، وبناء علاقات اعتماد متبادلة مع الأسواق النامية.

في الختام، يعد تشكيل تحالف باكس سليكيا إعادة هندسة للتكنولوجيا العالمية، من خلال توزيع الأدوار بين الدول الحليفة، اعتماداً على قدرتها وميزانيتها النسبية، إذ تتولى الدول الصناعية فيه مجال التصنيع، وتضطلع الدول الإقليمية فيه بدور دعم البنية التحتية والاستثمارات، إضافة إلى كسر شبكة الاحتكار التي تفرضها الصين على سلاسل امداد المعادن النادرة ومعالجتها، فضلاً عن انشاء شبكة اتصالات وبنية تحتية رقمية آمنة، من خلال دمجها مع الأمن القومي؛ وفي الواقع هو اجراء وقائي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، من أجل ضمان الوصول الحيوي للمعادن الحرجة والرقائق الإلكترونية فائقة الأهمية، وضمان عدم احتكار قوى واحدة لتلك المعادن والرقائق، واحتواء التقدم التكنولوجي والتقني الهائل للخصوم، ولاسيما الصين وروسيا وكوريا الشمالية، في مجالات الذكاء الاصطناعي وانظمة إطلاق الصواريخ المتقدمة، والرادارات، والفضاء الخارجي وغيرها.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

إعداد: م. م. رياض جليل جمعة

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!