فالطاقة النووية لم تعد تقتصر على بعدها التقني أو الاقتصادي، بل أصبحت أحد أبرز أدوات القوة الوطنية، وعنصرًا رئيسًا في حسابات النفوذ والتوازنات الإقليمية والدولية، ومن ثم فإن أي اتفاق يتعلق بالتعاون النووي لا يمكن قراءته بمعزل عن البيئة الجيوسياسية التي تشهد تصاعدًا في المنافسة الدولية، واحتدامًا في الصراعات الإقليمية، وتزايدًا في الاهتمام بالتقنيات الاستراتيجية.
وقد جاء الاتفاق حسب ما أعلنته صحيفة الشرق الأوسط السعودية يأتي في إطار توجه سعودي معلن لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تسعى إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، كما جاء في سياق رغبة أمريكية في الحفاظ على دورها القيادي في قطاع التكنولوجيا النووية المدنية، ومنع انتقال المملكة إلى شركاء دوليين منافسين مثل الصين أو روسيا في هذا المجال، ومن هنا فإن الاتفاق لا يمثل مجرد تعاون تقني، وإنما يعكس تقاطعًا للمصالح الاستراتيجية بين الطرفين، ويؤسس لشراكة طويلة الأمد تمتد لعقود وتشمل استثمارات بمليارات الدولارات.
وتهدف الاتفاقية، وفق ما أعلنته وزارتا الطاقة في البلدين، إلى تعزيز التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتبادل الخبرات والمعرفة والتكنولوجيا، وتطوير القدرات البشرية والمؤسساتية، مع الالتزام بمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتعلقة بالأمن النووي والسلامة النووية ومنع الانتشار، كما تضع الاتفاقية إطارًا قانونيًا يسمح للشركات الأمريكية بالمشاركة في إنشاء وتشغيل البنية التحتية النووية السعودية، وهو ما يمنح الولايات المتحدة حضورًا طويل الأمد في أحد أكثر القطاعات الاستراتيجية داخل المملكة.
وتتعدد أهداف البرنامج النووي السعودي، ويأتي في مقدمتها تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، خاصة مع النمو السكاني والتوسع العمراني والصناعي الكبير الذي تشهده المملكة، كما يهدف البرنامج إلى تحرير كميات إضافية من النفط والغاز كانت تُستهلك محليًا في إنتاج الكهرباء، بما يسمح بتوجيهها نحو التصدير وتحقيق عوائد اقتصادية أكبر. وإلى جانب ذلك، تسعى المملكة إلى توطين التكنولوجيا النووية، وبناء قاعدة علمية وصناعية متقدمة، وتأهيل كوادر وطنية قادرة على إدارة وتشغيل هذا القطاع الحيوي، فضلاً عن دعم خططها لإنتاج الهيدروجين النظيف وتحلية المياه باستخدام الطاقة النووية.
ومن الناحية القانونية والفنية، يصنف البرنامج النووي السعودي ضمن البرامج المدنية، إذ تؤكد الاتفاقية على أن جميع الأنشطة ستخضع للضمانات الدولية ولنظام الرقابة الذي تفرضه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع الالتزام بمعايير الأمن والسلامة وعدم الانتشار النووي، كما أن الخطاب الرسمي السعودي والأمريكي يركز بصورة واضحة على الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، باعتبارها وسيلة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية، وليس وسيلة لإنتاج الأسلحة النووية إلا أن الطبيعة المزدوجة للتكنولوجيا النووية تجعل الفصل بين الاستخدامين المدني والعسكري مسألة أكثر تعقيدًا، فالكثير من التقنيات المستخدمة في تشغيل المفاعلات المدنية يمكن من الناحية التقنية أن تشكل قاعدة معرفية وصناعية يمكن تطويرها مستقبلًا إذا اتخذت الدولة قرارًا سياسيًا بتغيير طبيعة البرنامج، ولهذا السبب يثير أي برنامج نووي جديد في الشرق الأوسط نقاشًا واسعًا حول احتمالات التحول من الاستخدام السلمي إلى الاستخدام العسكري، حتى وإن لم تكن هناك مؤشرات عملية على ذلك في الوقت الراهن.
وتزداد أهمية هذا النقاش إذا ما أخذنا في الاعتبار البيئة الأمنية التي تعمل فيها المملكة، فالشرق الأوسط يعد من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، ويشهد تنافسًا استراتيجيًا بين القوى الإقليمية، فضلاً عن استمرار النزاعات المسلحة والتوترات الأمنية، كما أن امتلاك إيران لقدرات نووية متقدمة، وإن كانت تؤكد أنها لأغراض سلمية، قد دفع العديد من دول المنطقة إلى التفكير في تطوير برامجها النووية المدنية باعتبارها أحد عناصر تعزيز الأمن الوطني وبناء القدرات الاستراتيجية.
ومن هنا فإن البرنامج النووي السعودي لا يمكن عزله عن التوازنات الإقليمية، حتى وإن ظل في إطاره المدني فالدول لا تنظر فقط إلى النوايا المعلنة، وإنما إلى القدرات التي يتم بناؤها على المدى الطويل ولذلك فإن امتلاك المملكة لبنية تحتية نووية متقدمة، وخبرات بشرية، ومنظومة تشريعية ومؤسساتية متطورة، سيمنحها مكانة استراتيجية مختلفة داخل الإقليم، ويزيد من قدرتها على مواكبة التحولات العالمية في مجال الطاقة والتكنولوجيا، وفي المقابل يثير الاتفاق تساؤلات مهمة بشأن موقف إسرائيل التي تعد الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك قدرات نووية عسكرية، وإن كانت تنتهج سياسة “الغموض النووي” فلا تؤكد رسميًا امتلاكها للسلاح النووي ولا تنفيه، وتقوم العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ عقود على الحفاظ على التفوق العسكري النوعي، ومنع ظهور أي قوة إقليمية قد تمتلك مستقبلاً قدرات نووية يمكن أن تؤثر في ميزان القوى.
ومن هذا المنطلق، فإن الكيان الإسرائيلي ينظر بحذر إلى أي برنامج نووي جديد في المنطقة، حتى وإن كان ذا طبيعة مدنية، فهي تدرك أن بناء القدرات النووية السلمية يمثل الخطوة الأولى في تكوين بنية تحتية يمكن تطويرها مستقبلاً إذا تغيرت الظروف السياسية أو الأمنية، ولذلك فإن الموقف الإسرائيلي التقليدي يقوم على دعم أي تعاون نووي يخضع لرقابة أمريكية ودولية صارمة، مع رفض منح الدول الإقليمية قدرات حساسة مثل تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي داخل أراضيها.
وتبدو هذه المسألة أكثر حساسية في ضوء التناقض الظاهري بين الموقف الأمريكي والإسرائيلي من البرنامج النووي الإيراني، وبين دعمهما للتعاون النووي مع المملكة العربية السعودية، فقد خاضت الولايات المتحدة -بدعم إسرائيلي- سنوات طويلة من الضغوط السياسية والاقتصادية وفرض العقوبات والعمل الدبلوماسي والعسكري بهدف منع إيران من امتلاك قدرات قد تمكنها من إنتاج السلاح النووي، ويستند هذا الموقف إلى اعتقاد بأن البرنامج الإيراني يفتقر إلى الشفافية الكاملة، وأن امتلاك إيران للسلاح النووي سيغير موازين القوى بصورة جذرية ويهدد أمن المنطقة.
أما في الحالة السعودية، فإن الولايات المتحدة تؤكد أن التعاون يتم في إطار قانوني واضح، وتحت رقابة دولية، وبما ينسجم مع نظام عدم الانتشار النووي، الأمر الذي يجعلها ترى أن البرنامج السعودي لا يمثل تهديدًا، بل يساهم في ترسيخ معايير الاستخدام السلمي للطاقة النووية. ومع ذلك، فإن هذا التمييز لا يمنع من وجود نقاش داخل الأوساط السياسية والأمنية الأمريكية والإسرائيلية بشأن حدود التكنولوجيا التي ينبغي السماح بنقلها إلى المملكة، وخاصة فيما يتعلق بدورة الوقود النووي.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مهم يتعلق بإمكانية أن يقود البرنامج النووي السعودي إلى سباق نووي جديد في الشرق الأوسط، والإجابة عن هذا السؤال ليست بسيطة، إذ تعتمد على طبيعة التطورات المستقبلية في البيئة الإقليمية، فإذا بقي البرنامج السعودي ضمن الإطار المدني، واستمر خضوعه للرقابة الدولية، فمن المرجح أن يشجع دولًا أخرى على تطوير برامج مشابهة لإنتاج الطاقة الكهربائية وتحقيق التنمية المستدامة، وهو ما قد يؤدي إلى انتشار البرامج النووية المدنية دون أن يتحول ذلك بالضرورة إلى سباق تسلح نووي. أما إذا شهدت المنطقة تراجعًا في منظومة عدم الانتشار، أو تطور البرنامج النووي الإيراني نحو امتلاك سلاح نووي بصورة معلنة، فإن الحسابات الأمنية للدول الإقليمية قد تتغير بصورة كبيرة، وقد تنظر بعض الدول إلى امتلاك قدرات ردع نووية باعتباره خيارًا استراتيجيًا لضمان أمنها القومي، وهو ما قد يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي ستكون له انعكاسات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميين.
كما ينبغي النظر إلى الاتفاق الأمريكي–السعودي في إطار المنافسة الدولية على أسواق الطاقة النووية، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها في هذا القطاع في مواجهة التوسع الروسي والصيني فالتكنولوجيا النووية أصبحت إحدى أدوات النفوذ الجيوسياسي، وأي دولة تنجح في بناء المفاعلات النووية لدولة أخرى تضمن علاقات تعاون تمتد لعشرات السنين تشمل الوقود النووي، والصيانة، والتدريب، والتحديث التقني، وهو ما يمنح الاتفاق بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الجوانب الاقتصادية المباشرة ومن جانب آخر، يمنح الاتفاق المملكة فرصة لتطوير قاعدة صناعية وتقنية متقدمة، ويدعم جهودها في التحول نحو اقتصاد المعرفة، ويعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن تطوير الجامعات ومراكز البحث العلمي المرتبطة بالتكنولوجيا النووية والهندسة المتقدمة، بما ينسجم مع طموحاتها للتحول إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والطاقة النظيفة.
وفي المحصلة، فإن الاتفاق الأمريكي–السعودي للتعاون النووي يمثل أحد أهم التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وتقنية وأمنية وجيوسياسية متشابكة. فمن الناحية الرسمية، يقوم الاتفاق على الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ويستند إلى قواعد القانون الدولي ونظام عدم الانتشار، ويهدف إلى دعم التنمية المستدامة وتنويع مصادر الطاقة غير أن البيئة الإقليمية المضطربة، واستمرار التنافس بين القوى الكبرى، والتطورات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني كما ان الجانب الأمريكي ربط توقيع المضي بالبرنامج النووي السعودي بقبول الجانب السعودي بالاتفاقيات الإبراهيمية التي تنطوي على التطبيع مع الكيان الاسرائيلي، تجعل كل تلك المعطيات من الصعب فصل الأبعاد المدنية عن الحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى ولذلك فإن مستقبل هذا البرنامج سيعتمد على مدى الالتزام بالشفافية والضمانات الدولية، وعلى قدرة القوى الإقليمية والدولية على منع تحول الاستخدامات السلمية للطاقة النووية إلى سباق جديد للتسلح النووي في الشرق الأوسط، مع الحفاظ في الوقت ذاته على حق الدول في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وفق أحكام معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!