وإنما لأنها أعادت تعريف العلاقة بين الدين والسلطة، وبين الشرعية السياسية والالتزام بالمبادئ الإسلامية، فقد جاءت في مرحلة شهدت انتقال الحكم إلى نمط وراثي في ظل الدولة الأموية، وهو تحول رأى فيه الإمام الحسين ابتعاداً عن مقاصد الرسالة الإسلامية وقيمها الأساسية، ولا سيما العدل والشورى وصيانة كرامة الإنسان.
أولاً: النهضة الحسينية وتأسيس الوعي السياسي الإسلامي
لم يكن رفض الإمام الحسين مبايعة يزيد بن معاوية موقفاً شخصياً أو نزاعاً على السلطة، بل كان موقفاً مبدئياً يرمي إلى المحافظة على جوهر الإسلام ومنع تحويل الخلافة إلى سلطة تستمد مشروعيتها من القوة وحدها، وقد عبر الإمام عن هذا المقصد بقوله المشهور: (إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب)، وبذلك أصبحت النهضة الحسينية إعلاناً عن مبدأ سياسي وأخلاقي مفاده أن الشرعية لا تُستمد من الغلبة أو الوراثة، وإنما من الالتزام بالحق والعدل وقيم الإسلام، ومن هنا اكتسبت كربلاء بعدها التأسيسي في الفكر السياسي الشيعي، إذ تحولت من واقعة تاريخية إلى معيار تُقاس به مشروعية السلطة ومشروعية معارضتها.
ومن أهم النتائج الفكرية للنهضة الحسينية أنها أسست لوعي سياسي يربط بين الإيمان والمسؤولية الاجتماعية، فلا يكتفي الفرد بالتدين الشخصي، بل يعد الدفاع عن العدالة ومواجهة الظلم جزءاً من التكليف الشرعي، ومن ثم أصبحت كربلاء رمزاً دائماً لرفض الاستبداد، وتجديداً مستمراً لمعنى الحرية والكرامة الإنسانية.
ثانياً: الجذور العقدية والشرعية للمقاومة في الفكر السياسي الشيعي
يقوم مفهوم المقاومة في الفكر السياسي الشيعي على مجموعة من الأسس العقدية والفقهية التي تمنحه بعداً يتجاوز الاعتبارات السياسية الآنية، فالمقاومة ليست غاية بذاتها، وإنما وسيلة لحماية الدين والإنسان والمجتمع عندما تتعرض الحقوق الأساسية للعدوان أو الاضطهاد، ويستند هذا التصور إلى عدد من المرتكزات، أبرزها:
1- التوحيد الذي يقتضي رفض الخضوع المطلق لأي سلطة بشرية تتجاوز حدودها الشرعية.
2- العدل باعتباره أحد أصول العقيدة في المدرسة الإمامية، الأمر الذي يجعل مقاومة الظلم امتداداً للإيمان بالعدل الإلهي.
3- الإمامة بوصفها استمراراً للقيادة الدينية والسياسية التي تحفظ الرسالة من الانحراف.
4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتباره واجباً إصلاحياً يفرض على الأمة مسؤولية مواجهة الفساد والانحراف ضمن الضوابط الشرعية.
5- الجهاد الدفاعي الذي يهدف إلى حماية الإنسان والأرض والمقدسات عندما تتعرض لاعتداء خارجي.
وفي هذا السياق، أصبحت نهضة الإمام الحسين النموذج التطبيقي الأبرز لهذه المبادئ، لأنها جمعت بين الالتزام بالعقيدة والعمل السياسي والأخلاق العملية، ولذلك ينظر إليها الفكر الشيعي باعتبارها التجسيد الأعلى للمقاومة الشرعية، ومن هنا لم تعد المقاومة مجرد خيار سياسي، بل أصبحت في كثير من الأدبيات الشيعية تعبيراً عن مسؤولية دينية وأخلاقية، تستمد مشروعيتها من الدفاع عن العدالة وكرامة الإنسان، مع التأكيد على أن تطبيق هذه المبادئ في الواقع يخضع لاجتهادات فقهية وتقديرات تختلف باختلاف الظروف والسياقات.
ثالثاً: كربلاء وصياغة الهوية السياسية للمقاومة
تُبنى الهوية السياسية لأي أمة على منظومة من الرموز والقيم والتجارب المؤسسة، وقد شكلت كربلاء في الوعي الشيعي أحد أهم هذه المرتكزات، فلم تعد عاشوراء مجرد مناسبة لإحياء ذكرى تاريخية، بل تحولت إلى مدرسة لإنتاج الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي، وإلى مصدر لإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة.
وقد أسهمت النهضة الحسينية في ترسيخ عدد من القيم التي أصبحت جزءاً من هوية المقاومة، مثل رفض الظلم، والالتزام بالمبدأ، والاستعداد للتضحية، وتقديم الكرامة على المكاسب الآنية، والثبات في مواجهة الضغوط مهما كانت موازين القوة مختلة، ولهذا بقيت كربلاء حاضرة في الخطاب الديني والثقافي والسياسي عبر العصور، وأصبحت رمزاً يستلهم منه كثير من الفاعلين السياسيين رؤيتهم لمفهوم الصمود والمواجهة، كما أسهمت المجالس الحسينية والشعائر الدينية والأدب الحسيني في نقل هذه القيم بين الأجيال، مما جعل كربلاء عنصراً فاعلاً في تشكيل الذاكرة الجماعية والهوية السياسية لدى قطاعات واسعة من أتباع المدرسة الشيعية.
رابعاً: من كربلاء إلى نظرية المقاومة في الفقه السياسي الشيعي
لم تتوقف آثار النهضة الحسينية عند حدود الوجدان الديني، بل امتدت إلى تشكيل أحد أهم المفاهيم في الفقه السياسي الشيعي، وهو مفهوم المقاومة بوصفها موقفاً شرعياً وأخلاقياً تجاه الظلم والعدوان، فقد ظلت كربلاء حاضرة في اجتهادات العلماء والفقهاء باعتبارها النموذج الأسمى للتضحية من أجل حفظ الدين وصيانة كرامة الإنسان، وإن اختلفت رؤاهم في كيفية تطبيق هذا المبدأ بحسب الظروف السياسية والتاريخية.
وخلال عصر الأئمة من أهل البيت، اتسمت المواقف السياسية بالتنوع تبعاً للواقع القائم، فبينما فرضت بعض المراحل اعتماد الصبر والعمل التربوي والثقافي حفاظاً على بقاء الجماعة المؤمنة، استمرت كربلاء تمثل المرجعية الأخلاقية التي تؤكد أن مقاومة الظلم تبقى قيمة ثابتة، وأن وسائل تحقيقها قد تختلف باختلاف القدرة والمصلحة العامة، ومع دخول عصر الغيبة، أصبح للفقهاء دور أكبر في بيان الأحكام المتعلقة بالشأن العام، وتطورت الكتابات الفقهية والسياسية لتناقش قضايا السلطة والشرعية والجهاد والدفاع عن الأمة.
وفي هذا الإطار، تبلور مفهوم المقاومة باعتباره جزءاً من منظومة الدفاع عن الدين والوطن والإنسان، مع التأكيد على الضوابط الشرعية التي تمنع تحويله إلى ممارسة منفلتة من القيم الأخلاقية، ومن هنا، فإن الفقه السياسي الشيعي يميز بين المقاومة المشروعة التي تستهدف دفع العدوان أو مواجهة الاحتلال أو الدفاع عن الحقوق الأساسية، وبين أعمال العنف التي تستهدف الأبرياء أو تتجاوز الأحكام الشرعية، وهذا التمييز يعكس أن مشروعية أي فعل لا تقوم على مجرد رفع شعار المقاومة، بل على انسجامه مع الضوابط الشرعية والأخلاقية.
خامساً: الامتدادات المعاصرة للهوية السياسية للمقاومة
يُعدّ تشكّل محور المقاومة أحد أبرز الامتدادات المعاصرة للهوية السياسية للمقاومة في الفكر السياسي الشيعي، إذ انتقل مفهوم المقاومة من كونه موقفًا عقديًا وأخلاقيًا في مواجهة الظلم إلى إطار سياسي وإقليمي يضم أطرافًا تتبنى رؤية مشتركة تجاه قضايا مثل مقاومة الاحتلال ورفض الهيمنة الخارجية، مع اختلاف خلفياتها السياسية والتنظيمية، ولقد أسهمت عدة عوامل في تشكّل هذا المحور، من أبرزها نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، التي أعادت طرح مفاهيم الاستقلال السياسي، ورفض التبعية، ودعم حركات المقاومة، ثم جاءت التطورات الإقليمية اللاحقة، مثل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، والانتفاضات الفلسطينية، والأزمات التي شهدتها المنطقة، لتدفع نحو تنامي أشكال من التنسيق بين قوى ترى أن مواجهة التحديات الإقليمية تتطلب تعاونًا سياسيًا وأمنيًا وإعلاميًا.
ويقوم هذا المحور، في أدبيات مؤيديه، على مجموعة من المرتكزات الفكرية، أهمها:
1- اعتبار مقاومة الاحتلال حقًا مشروعًا.
2- رفض التدخل الخارجي في شؤون الدول.
3- الدفاع عن سيادة الدول واستقلال قرارها.
4- استلهام المرجعية الدينية والقيم المستمدة من النهضة الحسينية في الصبر والتضحية والثبات.
ومن الناحية العملية، لم يقتصر مفهوم المقاومة على الجانب العسكري، بل توسع ليشمل أبعادًا سياسية وإعلامية وثقافية واجتماعية، بهدف تعزيز الصمود الداخلي وبناء بيئة داعمة لخيار المقاومة، وبذلك يمكن النظر إلى محور المقاومة باعتباره أحد أبرز التجليات المعاصرة للهوية السياسية للمقاومة الشيعية، حيث انتقلت هذه الهوية من المجال النظري والفقهي إلى مستوى الفعل السياسي والإقليمي، لتصبح عنصرًا مؤثرًا في معادلات الأمن والتوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
لقد أصبحت المقاومة اليوم جزءاً من المشهد السياسي في الشرق الأوسط، وتواجه تحديات معقدة تتجاوز البعد العسكري، منها التحولات الجيوسياسية، والتغيرات في طبيعة الصراعات، والضغوط الاقتصادية والإعلامية، إضافة إلى التوازن بين استمرار نهج المقاومة ومتطلبات بناء الدولة والاستقرار، ومن جهة أخرى، أدى تغير النظام الدولي وتزايد التنافس بين القوى الكبرى إلى إعادة تشكيل البيئة التي تعمل فيها الحركات المسلحة والسياسية، الأمر الذي يفرض عليها مراجعة أدواتها وخطابها بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
ويرى مؤيدو هذا النهج أن الهوية المستلهمة من كربلاء تمنح مشروع المقاومة قدرة على الاستمرار من خلال ترسيخ قيم الصبر والثبات والتضحية، في المقابل، يناقش باحثون آخرون تحديات هذا النموذج، مثل كيفية المواءمة بين المقاومة ومؤسسات الدولة، وبين العمل العسكري والعمل السياسي، وتأثير التحولات الإقليمية على مستقبل هذه الحركات.
تكشف النهضة الحسينية، في القراءة التي يقدمها الفكر السياسي الشيعي، عن مشروع إصلاحي متكامل يتجاوز حدود الواقعة التاريخية ليصبح مرجعية فكرية وأخلاقية في فهم العلاقة بين الدين والسياسة والسلطة، وقد أسهمت كربلاء في تشكيل هوية سياسية للمقاومة تقوم على قيم العدل والكرامة ورفض الظلم، وأثرت في كثير من الأدبيات والحركات التي استلهمت هذه الرمزية في العصر الحديث.
وفي الوقت ذاته، فإن تطبيق هذه المبادئ على الواقع المعاصر يظل محل اجتهاد ونقاش بين الفقهاء والباحثين، كما أن تقييم الحركات المعاصرة وأدوارها ونتائجها يختلف باختلاف المنطلقات الفكرية والسياسية.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!