ومن هذا المنطلق تبدو مذكرة التفاهم المقترحة بين الولايات المتحدة وإيران أكثر من مجرد وثيقة لوقف الحرب أو معالجة ملف نووي عالق منذ عقود؛ فهي مشروع لإعادة تنظيم العلاقة بين قوتين ظلتا على طرفي نقيض منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، كما أنها محاولة لإعادة رسم معادلات الأمن والاستقرار في منطقة تعد الأكثر حساسية في العالم.
لقد تعاقبت على العلاقة بين واشنطن وطهران مراحل متعددة من التصعيد والمواجهة والعقوبات والحروب بالوكالة، حتى بات الصراع بينهما أحد الثوابت الرئيسة في السياسة الدولية المعاصرة، غير أن الوثيقة المطروحة تكشف عن تحول لافت في التفكير الاستراتيجي للطرفين، إذ لم يعد الهدف هو إلحاق الهزيمة بالخصم أو إسقاطه، بل التوصل إلى صيغة تعايش تضمن المصالح الأساسية لكليهما وتمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون نتائجها كارثية على المنطقة والعالم.
أولاً: لماذا وكيف وصل الطرفان إلى لحظة التفاهم؟
يصعب فهم هذه المذكرة دون العودة إلى الظروف التي سبقت ظهورها، فخلال السنوات الأخيرة شهد الشرق الأوسط سلسلة من الأزمات المتشابكة، بدءاً من التصعيد العسكري في الخليج، مروراً بالحروب الإقليمية، وانتهاءً بالضغوط الاقتصادية العالمية الناتجة عن اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية بالنسبة لإيران، كانت العقوبات الاقتصادية تمثل تحدياً وجودياً للدولة والمجتمع فعلى الرغم من نجاح طهران في تطوير أدوات التكيف مع الضغوط الغربية، إلا أن استمرار العقوبات حدّ من قدرتها على النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات وتطوير البنية التحتية، ومن هنا أصبح رفع العقوبات واستعادة الأموال المجمدة هدفاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الحفاظ على النفوذ الإقليمي.
أما الولايات المتحدة، فقد وجدت نفسها أمام معادلة مختلفة عما كانت عليه قبل عقدين، فالتحديات العالمية الجديدة، وصعود الصين، والحرب في أوكرانيا، والتنافس في المحيطين الهندي والهادئ، دفعت صانع القرار الأمريكي إلى إعادة ترتيب الأولويات. ولم يعد الانخراط في صراعات مفتوحة في الشرق الأوسط خياراً مفضلاً، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الانتشار العسكري واستمرار التهديدات التي تطال القوات الأمريكية وحلفاءها في المنطقة، وكذلك أدرك الطرفان أن سياسة الضغوط القصوى لم تحقق أهدافها النهائية، فالعقوبات لم تؤد إلى انهيار النظام الإيراني أو وقف برنامجه النووي، كما أن استراتيجية الردع الإيرانية لم تنجح في إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب الكامل من المنطقة، ومن ثم أصبح التفاوض خياراً أكثر واقعية من استمرار المواجهة المفتوحة.
ثانياً: ماذا تتضمن الاتفاقية فعلياً؟
عند قراءة بنود المذكرة يتضح أنها تتجاوز الإطار التقليدي للاتفاقات السياسية، فهي لا تقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل تتناول مجموعة واسعة من الملفات الأمنية والاقتصادية والنووية والقانونية وفي الجانب الأمني، يتعهد الطرفان بإنهاء الحرب بصورة فورية ودائمة والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها مستقبلاً، وهذه الخطوة تمثل تحولاً جذرياً إذا ما قورنت بعقود طويلة من الخطاب العدائي المتبادل.
كما تتضمن الوثيقة ترتيبات خاصة بأمن الملاحة البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، فالمضيق لا يمثل أهمية لإيران ودول الخليج فحسب، بل يعد شرياناً رئيساً للتجارة العالمية والطاقة الدولية، ولذلك فإن أي تفاهم بشأنه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، أما اقتصادياً، فإن البنود تبدو أكثر طموحاً من أي اتفاق سابق بين الطرفين. فالولايات المتحدة تتعهد برفع العقوبات تدريجياً، وتسهيل تصدير النفط الإيراني، والإفراج عن الأموال المجمدة، فضلاً عن المساهمة في خطة تنموية ضخمة تصل قيمتها إلى 300 مليار دولار لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني.
وفي الجانب النووي، تعيد إيران التأكيد على عدم سعيها لامتلاك السلاح النووي، مقابل معالجة ملف التخصيب والمواد النووية المخزنة ضمن آليات متفق عليها وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويبدو هذا البند محاولة لتجاوز أزمة الاتفاق النووي السابق وتوفير ضمانات أكثر استدامة للطرفين.
ثالثاً: بين الحقوق والالتزامات... ماذا يكسب كل طرف؟
في السياسة الدولية لا توجد اتفاقيات مجانية، وكل مكسب لطرف يقابله التزام أو تنازل من الطرف الآخر، ولهذا فإن قراءة الوثيقة من زاوية المصالح تكشف عن شبكة معقدة من الحقوق والالتزامات المتبادلة اذ تحصل إيران بموجب الاتفاق على ما يمكن وصفه بأكبر حزمة مكاسب اقتصادية منذ عقود، فرفع العقوبات وحده كفيل بإعادة دمج الاقتصاد الإيراني في الأسواق العالمية، بينما يتيح الإفراج عن الأموال المجمدة للحكومة الإيرانية هامشاً مالياً واسعاً لمعالجة أزماتها الداخلية، كما أن استئناف صادرات النفط بصورة طبيعية سيؤدي إلى زيادة الإيرادات وتحسين المؤشرات الاقتصادية العامة.
إلى جانب ذلك، فإن انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران يمثل مكسباً أمنياً ورمزياً مهماً لطهران، لأنه ينسجم مع أحد أبرز أهداف سياستها الإقليمية المعلنة وفي المقابل، تحصل الولايات المتحدة على ما تعتبره هدفاً استراتيجياً مركزياً يتمثل في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، كما تحقق مكسباً إضافياً يتمثل في ضمان أمن الملاحة البحرية وتقليل احتمالات اندلاع حرب واسعة قد تهدد المصالح الأمريكية وحلفاءها في المنطقة، ومن منظور أوسع، يمنح الاتفاق واشنطن فرصة لإعادة توجيه مواردها وتركيز اهتمامها على أولويات دولية أخرى، بدلاً من الاستمرار في استنزاف الجهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط.
رابعاً: من هو المنتصر في هذه التسوية؟
يُعد السؤال عن المنتصر والخاسر من أكثر الأسئلة تداولاً عند تقييم الاتفاقات الدولية، إلا أن الإجابة ليست دائماً بسيطة أو مباشرة وإذا نظرنا إلى الجانب الاقتصادي، فإن إيران تبدو المستفيد الأكبر، فهي تنتقل من حالة الحصار والعزلة إلى مرحلة الانفتاح والاستثمار والتجارة الدولية، كما تحصل على اعتراف ضمني بدورها الإقليمي ومكانتها الجيوسياسية.
أما إذا كان المعيار أمنياً، فإن الولايات المتحدة حققت هدفاً لطالما سعت إليه، وهو إبقاء البرنامج النووي الإيراني ضمن حدود الرقابة الدولية ومنع تحوله إلى برنامج عسكري لكن القراءة الأكثر دقة تشير إلى أن الاتفاق لا يعكس انتصار طرف على آخر بقدر ما يعكس إدراكاً متبادلاً بأن استمرار الصراع أصبح أكثر كلفة من التسوية، ولذلك يمكن اعتبار الوثيقة نموذجاً لما يسمى في أدبيات العلاقات الدولية بـ"الانتصار المتبادل" أو "التسوية الرابحة للطرفين"، حيث يحصل كل طرف على جزء من أهدافه الأساسية مقابل التخلي عن جزء من مطالبه القصوى.
واستنتاجاً لما تقدم، إذا كُتب لهذه المذكرة أن تتحول إلى اتفاق نهائي ملزم، فإنها قد تمثل واحدة من أهم التسويات السياسية في الشرق الأوسط منذ عقود، فهي لا تعالج أزمة ثنائية بين واشنطن وطهران فحسب، بل تؤسس لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والاقتصادية في المنطقة بأسرها ومع ذلك، فإن نجاح الاتفاق لن يعتمد على صياغة البنود بقدر ما سيتوقف على الإرادة السياسية للطرفين وقدرتهما على بناء الثقة المتبادلة بعد سنوات طويلة من العداء، فالتاريخ يعلمنا أن الاتفاقات الكبرى لا تفشل عادة بسبب نصوصها، وإنما بسبب الحسابات السياسية التي ترافق تنفيذها، وبينما يترقب العالم ما ستؤول إليه المفاوضات المقبلة، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل نحن أمام نهاية حقبة الصراع الأميركي– الإيراني، أم أمام هدنة طويلة تعيد ترتيب موازين القوى تمهيداً؟.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!