لم يكن متوقعاً ان يتم التوصل الى هذا الاتفاق خاصة مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الطرفين وتصريحاتهما بالعودة للمواجهة والتصعيد، مع وجود تحشيد عسكري امريكي واستعداد ايراني للرد، يمثل هذا الاتفاق الاولي حالة عودة الى نقطة التوازن، خلقتها ظروف التصعيد الامريكي والاسرائيلي التي ادت الى اضعاف البنية العسكرية الايرانية والحقت اضرار كبيرة في الاقتصاد الايراني، اضافة الى الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على مضيق هرمز ضد ايران، في جانب اخر، سرع وتيرة هذا الاتفاق القدرة الايرانية على الرد واحلال الضرر في القواعد والمصالح الامريكية في المنطقة والمنشآت الخليجية التي تعتقد طهران انها منطلق للهجمات ضدها، كما استخدمت أوراق ضغط في وجه الإدارة الأمريكية على رأسها ورقة مضيق هرمز.
مع ذلك ابقى الطرفان خطوط الاتصال عبر طاولة المفاوضات الباكستانية نشطة، واظهرا وعيا بذلك، مع وجود تصعيد محسوب والتلويح بالخيارات العسكرية، وآتى كل ذلك أُكله سريعا، اذ ادى الى تعزيز كفة التيار الداعم لمسار المفاوضات وتحريك عجلتها للتوصل الى صيغة تفاهم مع واشنطن والتي ايضا كانت بحاجة ماسة لإيقاف الحرب لأسباب داخلية تتعلق بانتخابات التجديد النصفي من خلال التأثير على اتجاهات المجتمع الأمريكي التصويتية، وارتفاع كلفة الحرب، والقدرة الايرانية على الصمود، والضرر الاقتصادي العالمي الناجم من غلق مضيف هرمز، كل ذلك وغيره من الاضرار الاقتصادية والامنية لدول الخليج، وارتفاع اسعار الطاقة عالمياً، دفع بمسار الوصول الى هذه الاتفاق الاولي.
مع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه المذكرة سوى تفاهم اولي هش يعمل على تأجيل الخلافات الكبرى، من خلال الاكتفاء بطرح بنود ومحاور عمومية دون تفاصيل والتزامات محددة وسقوف زمنية، جميعها تقريباً مبنية على منطق الاكتفاء بالحد الادنى، وارجاء مناقشة التفاصيل الاكثر حساسية الى مفاوضات تجرى في وقت لاحق، مع لحاظ ان معظم هذه المحاور تميل لصالح ايران، فهي الرابح الاكبر من بنود هذا التفاهم الهش.
ومع ان الخطوات التي يفترض ان يقوم بها الطرفان في المرحلة الأولى تبدو كبيرة، وتتمثل في فتح مضيق هرمز امام حركة الملاحة التجارية من دون قيود من جانب ايران، وانهاء الحصار البحري الامريكي على الموانئ الايرانية، وتقديم حوافز مالية لإيران، فان ذلك كله لا يمكن ان يقارن بحجم الملفات التي يجب ان تُناقش في المدة اللاحقة التي تلي توقيع المذكرة، وفي مقدمة هذه الملفات الخلافية التي يفترض ان يتوصل الطرفان الى تفاهم بشأنها: الملف النووي، حيث من المفترض ان تجد الولايات المتحدة وايران سبلاً لفض الخلاف بشأن تخصيب اليورانيوم ومعالجة المخزون، "الغبار النووي" الذي تمتلكه ايران من اليورانيوم عالي التخصيب، ومصير المنشآت النووية التي اثارت سخط العالم على مدى ثلاثة عقود، الى جانب ذلك، يأتي ملف العقوبات المتراكم منذ عقود، بفعل عقوبات بعضها دولي، وبعضها الاخر امريكي، مرتبطة بالملف النووي، واخرى ترتبط بملفات متنوعة، مثل ملف التسلح، وملف حقوق الإنسان، وتطالب ايران بإلغائها جميعا.
لذلك هذا الاتفاق حتى وان تم الالتزام به، فهو دون التوصل الى اتفاق نهائي يناقش كل التفاصيل الخلافية المؤجلة، لا يعد الاّ عودة الى نقطة الصفر، وتحديداً مرحلة ما قبل ٢٨ شباط الماضي، دون التوصل الى حالة سلام ناضجة بين الطرفين، فقد اقتصر على وقف التصعيد المباشر، وفتح مضيق هرمز، وانهاء الحصار الذي فرضته واشنطن على طهران، والافراج عن بعض الأصول الايرانية المجمدة بشكل حذر، وفيما عدا ذلك، فان كل شيء تقريباً أُرجئ الى المستقبل، فالتوتر بين اسرائيل وايران سيبقى قائماً، والجبهة اللبنانية ستبقى ملتهبة رغم الحاق لبنان بمسار انهاء الحرب، عبر التأكيد على وقف اطلاق النار في الجبهة اللبنانية.
كل ذلك يعني ان هذا التفاهم الاولي يعد مبتوراً ومرحلياً، يتضمن التركيز على الملف النووي، ويُنحي جانباً ملفات جوهرية مهمة، مثل ملف الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وملف الصواريخ الباليستية الايرانية، وهذا ما اثار امتعاض الأطراف الاقليمية، التي قد تراه تنازلاً من واشنطن، وتراجعاً امريكياً عن الرغبة في تجاوز الاتفاق النووي الى اتفاق شامل يعالج كل الملفات الخلافية، كما انه سيثير دول الخليج وعلى نحو خاص سخط اسرائيل، اذ لا يناقش الصواريخ التي استخدمتها ايران لضرب اسرائيل ولا سلاح حزب الله، الذي تعتبره تل ابيب مصدر تهديد وجودي لها.
ووفقاً لهذه المعطيات فأن المشاهد المحتملة لمصير هذا الاتفاق يمكن تحديدها بالاتي:
المشهد الأول: فشل الاتفاق الاولي، والعودة للمواجهة والتصعيد العسكري
يفترض هذا المشهد ان يفشل الطرفان في التوصل الى تفاهُم بشأن الملفات المطروحة، سواء بفعل المواقف الصلبة التي يبديها المفاوضون، والهوة الشاسعة بينهما، او بفعل الضغوط التي تمارسها الجهات الممتعضة، وتحديداً اسرائيل، وحينها يمكن ان يعود الطرفان الى المواجهة العسكرية، او الى الضربات العسكرية المتفرقة على اقل تقدير.
وبينما يبدو هذا المشهد ممكناً بسبب الخلافات الواسعة بين رغبات الطرفين على صعيد البرنامج النووي، وبسبب المواقف الاسرائيلية، او نتيجة عدم التوازن بين البنود المائلة الى ايران، وحجم الملفات المطروحة، مع ذلك فأن المشهد هذا يواجه عقبة تتمثل في ممانعة وتحفظ الاطراف الاقليمية والمجتمع الدولي من عودة الطرفان لأتون الحرب، بما يعرض الاقتصاد الاقليمي والدولي الى اخطار جديدة.
المشهد الثاني: نجاح الاتفاق الاولي خلال مدة الستين يوما
ويفترض هذا المشهد، ان يتوصل الطرفان الى تفاهم شبه كامل بشأن الملفات المطروحة، او الى تفاهم كافٍ لتقليل الفجوة، يتمثل في التوصل لحلول بشأن الملف النووي، وملف العقوبات، ويعني ذلك امكانية التوصل لاتفاق اوسع نطاقاً، تستطيع إدارة ترامب الترويج له على أعتاب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني القادم، كما تستطيع ايران ان تستفيد منه على الصعيد الاقتصادي، وعلى الصعيد الاستراتيجي، كونه يبعد عنها شبح الحرب، وسينعكس اتفاق كهذا بشكل ايجابي على مؤشرات الاقتصاد في المنطقة، والعالم، خصوصاً اذا حصل على ضمانات دولية صادرة من مجلس الامن، لكنه قد يمثل اخفاقاً على مستوى الامن الاقليمي من ناحية ابقاء الثغرات مفتوحة على صعيد البرنامج الصاروخي البالسيتي الايراني، الذي اظهرت الحرب انه يمثل تهديداً وجودياً للأطراف الاقليمية، وايضاً التموضع الايراني الاقليمي، وملف الفصائل المسلحة في المنطقة.
المشهد الثالث: تعثر نسبي في المفاوضات، وتمديد مهلة الستين يوما
ويفترض هذا المشهد، ان لا يصل الطرفان الى صيغة تفاهم بشأن الملفات الخلافية في غضون ٦٠ يوماً، من دون ان ينزلقا الى المواجهة العسكرية مجدداً، وذلك عبر الاتفاق على تمديد مهلة المفاوضات لفترة اضافية. وينسجم ذلك مع رغبة الطرفين، ورغبة الاطراف الاقليمية والدولية بعدم العودة الى المواجهة العسكرية المكلفة على مستوى الأمن والاقتصاد، كما ينسجم مع الوعي المسبق بأن مدة الشهرين قد لا تكفي للتوصل الى تفاهم كامل بشأن الملفات الشائكة، لكن هذا الاحتمال، يمكن ان يُفسر على انه تأجيل امريكي للمواجهة العسكرية الى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، لكيلا تؤثر المضاعفات الناجمة عن مواجهة كهذه على مكاسب الادارة الامريكية فيها.
المشهد الرابع: فشل الاتفاق من دون تمديد الهدنة، او اللجوء للتصعيد العسكري
ويفترض هذا المشهد، ان يخفق الطرفان في التوصل الى اتفاق بشأن الملفات الخلافية المطروحة في غضون ستين يوماً، من دون ان يعني ذلك تمديداً رسمياً للمفاوضات، او عودة تلقائية الى التصعيد العسكري، وفي مثل هذه الحالة، يمكن تصور ان تعلن واشنطن الانسحاب من المواجهة العسكرية من دون ابرام اتفاق او من دون توجيه المزيد من الضربات العسكرية على ايران، معلنين التوصل الى الاهداف التي كانوا ينشدونها عبر التعبئة العسكرية في محيط ايران، ويعني هذا الاحتمال ترك الجرح مفتوحاً، مع إيران الواعية لأهمية استخدام ورقة الضغط في مضيق هرمز، ولتعزيز قدرتها على المناورة، عسكرياً وسياسيا.
وحتى في افضل الاحتمالات، فأنه ليس متوقعاً ان تتضمن المفاوضات المقبلة بين طهران وواشنطن، او الاتفاق المفترض الناجم عنها، معالجات لملفات تعد هاجساً رئيساً للأطراف الاقليمية مثل: البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية، او مشروع التوسع الإقليمي بما يعيد المنطقة الى حالة الاتفاق النووي لعام 2015 في افضل الاحوال، مع الاخذ بالحسبان ان ايران هذه المرة تدرك إمكانياتها في الضغط على مواقف الأطراف الإقليمية، والمجتمع الدولي، لاسيما عبر استخدام ورقة مضيق هرمز، واستهداف دول الخليج.
وفقاً للمشاهد الاربعة، فأن من المرجح جداً حاليا عدم القدرة على تحويل هذا الاتفاق المبدئي الذي نضج بين الولايات المتحدة وايران الى مسار تفاوضي ناجح، وقد يتهاوى في أية لحظة، سواء بفعل استمرار التباين الكبير في وجهات النظر بين الطرفين، او بفعل الضغوط التي تُمارسها اسرائيل التي اعلنت عدم التزامها منذ اللحظة الأولى بالتهدئة التي التزمت بها واشنطن في مذكرة التفاهم على الجبهة اللبنانية.
كما ان ثمة أطرافاً داخل المشهد الايراني، يرون ان ما تم التوصل اليه ليس هدنة حقيقية، يُراد منها التوصل الى توافق عبر مفاوضات، بمقدار ما يمثل خطوة امريكية لتأجيل المواجهة المسلحة الى ما بعد انتخابات التجديد النصفي المقبل استناداً الى حسابات داخلية أمريكية، وكل ذلك يجعل المشهد منكشفا لإيران التي ستتكيف وتتهيأ لأي مشهد محتمل من المشاهد الاربعة المذكورة.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!