ولا سيما بعد الثورة في سوريا عام 2011، واندلاع الحرب فيها، ثم اقترنت عودة هذا المشروع وأهميته الاستراتيجية القصوى مع أزمة أغلاق مضيق هرمز.
أصبح عودة مشروع البحار الأربعة خياراً استراتيجياً في ظل تصاعد التوترات التي هددت الممرات المائية، ولا سيما مع اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران في 28 شباط 2026 وما سببتها من اضطراب في أسواق الطاقة العالمية وحركة الملاحة الدولية، وتوقف الإنتاج والتصدير، وخصوصا في الدول المنتجة التي تعتمد على المضيق بشكل أساس، في تصدير مشتقاتها النفطية وسلعها التجارية؛ وتقوم فكرة المشروع على انشاء شبكة ربط متكاملة بين أربعة بحار رئيسة في منطقة الشرق الأوسط، وتهدف إلى تحويل كل من تركيا وسوريا إلى مركز إقليمي محوري في التجارة العالمية وحركة الطاقة.
وتشمل البحار الأربعة في هذه الرؤية الاستراتيجية أربعة مسطحات مائية وهي: بحر الخليج، وبحر قزوين، والبحر المتوسط، والبحر الأسود، ضمن منظومة متكاملة للنقل تربط بين آسيا واوروبا، ولا يخلو حيز العراق في هذا المشروع الاستراتيجي، إذ يعد العراق من أبرز المرشحين للانضمام إلى هذا المشروع، كونه يمتلك مصادر طاقة عديدة ومتنوعة، وبحاجة قصوى في تصدير منتجاته النفطية وسلعه في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة، إلى ممرات بديلة عن مضيق هرمز.
إضافة إلى إيران، فهي تمتلك أيضاً فرصاً كبيرة في الانضمام إلى هذا المشروع، وحصل هذا المشروع على تأييد ودعم أمريكي كبير، ولا سيما من قبل المبعوث الأمريكي توم باراك (سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى تركيا ومبعوث ترامب الخاص إلى الشرق الأوسط)، إذ أشاد بالدور التركي والسوري في إيجاد ممرات لنقل الطاقة بديلة وبعيدة عن مضيق هرمز وباب المندب، كونهما أصبحا في الفترة الأخيرة منطقة توتر واختناق جيوسياسي خطيرة، ولا سيما من قبل الأطراف المتصارعة في فرض الهيمنة على هذه الممرات الحيوية وما تمثله من نقطة مركزية لتدفق الطاقة نحو الدول الأوروبية والآسيوية.
ومن خلال ما تقدم، يمكن بيان أهمية مشروع البحار الأربعة في المدرك الاستراتيجي التركي- السوري، والقيمة المشتركة والأبعاد الدولية له، على النحو الآتي:
أولاً: الأهمية في المدرك الاستراتيجي التركي
1- تعزيز النفوذ الإقليمي: يتيح هذا المشروع لتركيا إمكانية إنشاء مركز محوري للطاقة تكون نقطة إنطلاقه الأولى من تركيا، وينتهي في الربط بين الشرق الأوسط ووسط آسيا والقارة الأوروبية.
2- الأمن الاقتصادي: يوفر هذا المشروع مسارات برية آمنة وموثوقة لنقل الطاقة، تضمن تدفق موارد الطاقة بتكلفة أقل ومخاطر أقل أيضاً من ناحية تأثرها بالأزمات الدولية.
3- العمق الآسيوي: يمنح تركيا أداة ربط قوية وأداة تدفق بين الدول المنتجة للطاقة (الخليج، إيران، بحر فزوين) وبين الأسواق الأوروبية المتعطشة والمستهلكة لمصادر طاقة بديلة.
ثانياً: الأهمية في المدرك الاستراتيجي السوري
1- ضم سوريا وعودتها إلى الخريطة الجيوسياسية: يعد هذا المشروع بمثابة إحياء لدور سوريا التاريخي، كجسر بري حيوي يربط بين قارات العالم الثلاث، ويجعل منها نقطة تقاطع إلزامية لا غنى عنها في خريطة التجارة العالمية، ولا سيما في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
2- التكامل الاقتصادي: تشكل بنية مشروع البحار الأربعة عموداً فقرياً لمبادرة التكامل الاقتصادي (4+1)، مما يسهم في جذب الاستثمارات، عبر الموانئ السورية على البحر المتوسط.
3- الأوراق السياسية (ديناميكية التموج الإقليمي والدولي): يمنح دمشق ثقلاً دبلوماسياً كبيراً في معادلات أمن الطاقة الأوروبي والإقليمي، ويساعدها على كسر العزلة الاقتصادية عبر دمج الفضاء الاقتصادي السوري بشبكة من المصالح الإقليمية والدولية؛ بمعنى آخر ديناميكية التموج، أي لعب أدوار إقليمية ودولية في مجال الطاقة والمجالات الأخرى عبر الجيوبولتك السوري من خلال ربطها بأربعة ممرات إستراتيجية رئيسة.
ثالثاً: القيمة المشتركة والأبعاد الدولية
1- بديل للممرات المضطربة (التي تشهد توتر): يوفر هذا المشروع شبكة أنابيب وسكك حديدية برية وموانئ ذات بنية تحتية متطورة، تقلل الاعتماد الدولي على المضائق البحرية التي تشهد توترات أمنية حرجة مثل مضيق هرمز وباب المندب.
2- شراكة دولية: يحظى المشروع اهتماماً ودعماً من قبل قوى إقليمية ودولية، ولا سيما من بينها مقترحات أمريكية لإعادة تأهيل ورسم مسارات العبور في المنطقة، بهدف استقرار سلاسل الإمداد العالمية للطاقة والغذاء وضمان تدفقها من دون توقف أو تلكؤ.
في الختام، يعد المشروع رؤية استراتيجية ذات أهمية قصوى تقوم على فكرة الربط الاستراتيجي بين أربعة بحار رئيسة، تمثل خياراً استراتيجياً لا غنى عنه في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، وبديلاً عن الممرات المائية التقليدية التي أصبحت اليوم تشكل نقطة اختناق جغرافي وبؤرة اضطرابات للأسواق الإقليمية والعالمية، ولا سيما فيما يتعلق بالطاقة والغذاء، إذ يعد هذا المشروع عملية رسم للخريطة الجيو- اقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وربطها بالأسواق الأوروبية المتعطشة والمفتقرة لمصادر الطاقة، فضلاً عن ذلك تقليل اعتماد الأسواق الأوروبية على مصادر الطاقة الروسية، وضمان امداد هذه المصادر عن طريق الشرق الأوسط من دون توترات وتموجات أمنية، تمهيداً لإنشاء ثقل اقتصادي مركزي ومحوري في المنطقة يضم الدول المنتجة لمصادر الطاقة العالمية، من خلال ربطها بشبكة نقل دولية آمنة ومستقرة.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!