قرار الصدر بدمج سرايا السلام: قراءة دولية في لحظة الصراع الراهن

قرار الصدر بدمج سرايا السلام: قراءة دولية في لحظة الصراع الراهن
نادراً ما يحظى قرار سياسي عراقي بهذا الحجم من التغطية الإعلامية الدولية المتنوعة كما حدث مع إعلان السيد مقتدى الصدر إلحاق تشكيل "سرايا السلام" بالدولة العراقية

فالحدث لم يُقرأ بوصفه إجراءً تنظيمياً داخلياً يخص أحد أكبر التيارات السياسية العراقية فحسب، بل تحول إلى مادة تحليلية عالمية ارتبطت بأسئلة الدولة والسيادة والسلاح والفاعلين غير الحكوميين ومستقبل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط.

لقد كشف حجم التغطية الإعلامية عن حقيقة مهمة مفادها أن شخصية السيد مقتدى الصدر لم تعد شأناً عراقياً محلياً، بل أصبحت فاعلاً مؤثراً في الحسابات السياسية الإقليمية والدولية، وأن أي قرار يتخذه يمتلك القدرة على إثارة نقاشات تتجاوز حدود العراق لتطال ملفات النفوذ الإقليمي ومستقبل الحركات المسلحة وإشكاليات بناء الدولة في البيئات الهشة ومن خلال متابعة التغطيات الصحفية والإعلامية العربية والدولية، يمكن ملاحظة أن الحدث الواحد أنتج قراءات متعددة ومتباينة، عكست في جوهرها اختلاف المصالح والرؤى السياسية للدول والمؤسسات الإعلامية التي تناولته.

أولاً: الإعلام الخليجي وقراءة الدولة قبل الفصيل

ركزت معظم الصحف الخليجية على البعد المتعلق بالدولة العراقية أكثر من تركيزها على البعد التنظيمي لسرايا السلام نفسها فقد تعاملت وسائل الإعلام الخليجية مع القرار بوصفه خطوة قد تسهم في تعزيز احتكار الدولة للسلاح وإعادة الاعتبار لمؤسساتها الرسمية، وفي هذا السياق، ذهبت صحيفة الشرق الأوسط التي تعبر عن السياسة الرسمية السعودية إلى اعتبار الخطوة تحولاً استراتيجياً في مسار التيار الصدري، وربطتها بتحولات إقليمية أوسع تشهدها المنطقة، أما صحيفة الرأي الكويتية فقد نظرت إلى القرار من زاوية أمنية، وعدّته اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة العراقية على فرض سيادتها على المجال الأمني وإدارة ملف الفصائل المسلحة، بدورها، ركزت قناة العربية على التساؤلات المرتبطة بمستقبل المليشيات في العراق، وطرحت إشكالية جوهرية تتمثل في مدى إمكانية تحول هذه الخطوة إلى نموذج يمكن أن يحتذى به من قبل بقية الفصائل المسلحة.

أما صحيفة الاتحاد الإماراتية، فقد نظرت إلى القرار باعتباره محاولة لكسر معادلة تعدد مراكز القوة المسلحة، لكنها في الوقت نفسه أثارت تساؤلات واقعية حول قدرة الدولة على استيعاب الأعداد الكبيرة من المقاتلين ضمن مؤسساتها الرسمية، وتكشف هذه التغطيات عن رؤية خليجية عامة ترى أن استقرار العراق يرتبط بصورة مباشرة بحصر السلاح بيد الدولة، وأن أي خطوة تسير بهذا الاتجاه تستحق المتابعة والترحيب الحذر.

 

ثانياً: الإعلام الإيراني بين الحذر والترقب

على النقيض من الحماس النسبي الذي أبدته بعض المنصات الخليجية، بدت التغطية الإيرانية أكثر تحفظاً وأقل اندفاعاً في تفسير الحدث، فوكالة تسنيم اكتفت بنقل الخبر بصيغة إخبارية مباشرة دون الخوض في أبعاد سياسية واسعة، وهو ما يعكس حساسية الملف بالنسبة لصناع القرار في طهران.

أما قناة العالم، فقد ركزت على ضرورة أن تشمل أي عملية دمج أو تنظيم جميع الفصائل المسلحة دون استثناء، في إشارة ضمنية إلى أن نجاح التجربة يجب أن يكون جزءاً من رؤية شاملة لا تستهدف جهة بعينها.

في حين حاولت صحيفة الوفاق، تقديم قراءة أكثر هدوءاً، إذ وضعت القرار ضمن إطار التفاهمات الوطنية العراقية والسياقات السياسية الداخلية، بعيداً عن التفسيرات التي تربطه مباشرة بالصراع الإقليمي، وتكشف هذه المقاربات أن الإعلام الإيراني تعامل مع الحدث بوصفه ملفاً معقداً لا يمكن فصله عن شبكة التوازنات القائمة داخل العراق، ولذلك فضّل تجنب الأحكام النهائية بانتظار ما ستسفر عنه عملية التنفيذ على أرض الواقع.

 

ثالثاً: الصحافة اللبنانية وهاجس إعادة تشكيل التوازنات

حملت التغطية اللبنانية أبعاداً تتجاوز الشأن العراقي المباشر، إذ قرأت القرار من زاوية تأثيراته المحتملة على البيئة الإقليمية الأوسع، فصحيفة الأخبار القريبة من حزب الله في لبنان اعتبرت أن القرار يعيد خلط الأوراق داخل العراق وربما في المنطقة، مشيرة إلى وجود مخاوف من أن يكون مقدمة لترتيبات سياسية وأمنية جديدة.

أما صحيفة النهار فقد رأت فيه تجربة سياسية تستحق المتابعة، متسائلة عما إذا كان النموذج الصدري يمكن أن يتحول إلى تجربة قابلة للتكرار في دول أخرى تواجه إشكالية السلاح خارج مؤسسات الدولة.

أما قناة المنار، فقد تعاملت مع الحدث بحذر واضح، وركزت على أهمية الحفاظ على وحدة الموقف العراقي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وهو ما يعكس إدراكاً لحساسية الملف وانعكاساته المحتملة على تجارب مشابهة في المنطقة.

 

رابعاً: الإعلام المصري واستعادة مفهوم الدولة الوطنية

تميزت التغطية المصرية بتركيزها على مفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها، فقد اعتبرت صحيفة الأهرام، أن القرار يعكس درجة من النضج السياسي ويصب في مصلحة تعزيز سلطة الدولة العراقية، كما ركزت قناة القاهرة الإخبارية، على الأبعاد الأمنية والإدارية المرتبطة بعملية الدمج، معتبرة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان القرار بقدر ما يكمن في آليات تطبيقه وتنفيذه، وتنسجم هذه القراءة مع التوجه العام للإعلام المصري الذي يمنح أولوية لمفهوم الدولة المركزية بوصفها الضامن الأساسي للاستقرار السياسي والأمني.

 

خامساً: الإعلام الأمريكي بين الترحيب والشك

كانت الصحافة الأمريكية من أكثر الجهات التي قدمت قراءات مركبة للحدث، فقد نظرت إليه باعتباره اختباراً لمفهوم الدولة العراقية أكثر من كونه قراراً تنظيمياً يخص تياراً سياسياً بعينه، صحيفة نيويورك تايمز، ركزت على الفجوة بين الإعلان والتنفيذ، معتبرة أن نجاح المبادرة يقاس بقدرتها على إحداث تغيير فعلي في الواقع الأمني العراقي.

أما واشنطن بوست، فقد ربطت القرار بمحاولات الصدر إعادة تقديم نفسه بوصفه زعيماً سياسياً براغماتياً يمتلك مشروعاً يتجاوز الإطار التقليدي للفصائل المسلحة.

في المقابل، ذهبت مجلة فورين بوليسي، إلى اعتبار التجربة نموذجاً قد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة في الشرق الأوسط إذا ما نجحت، بينما ركزت شبكات إعلامية أخرى مثل CNN وFox News على التداعيات الأمنية المحتملة وعلى الأسئلة المتعلقة بآليات استيعاب المقاتلين داخل المؤسسات الرسمية.

وتكشف هذه التغطيات أن واشنطن تنظر إلى الحدث من منظور يرتبط بإعادة بناء الدولة العراقية وإدارة التوازنات الأمنية أكثر من ارتباطه بالشخصية السياسية لمقتدى الصدر نفسه.

 

سادساً: أوروبا ومقاربة السيادة والاستقرار

في بريطانيا وفرنسا، بدت المقاربة مختلفة نسبياً، إذ جرى التركيز على مفاهيم السيادة وإعادة تعريف الدولة، صحيفة الغارديان رأت أن الصدر يوظف "ورقة الدولة" لتعزيز موقعه السياسي، بينما ربطت الفايننشال تايمز، بين القرار وإمكانية تحسين البيئة الاقتصادية والاستثمارية في العراق من خلال تعزيز الاستقرار الأمني.

أما هيئة الإذاعة البريطانية BBC فقد سلطت الضوء على التحديات القانونية والإدارية واللوجستية المرتبطة بعملية الدمج، في حين تناولت مجلة الإيكونوميست القضية ضمن إطار أوسع يتعلق بمستقبل الدولة الوطنية في الشرق الأوسط، وفي فرنسا وصفت صحيفة لوموند الخطوة بأنها محاولة لإعادة ابتكار الدور السياسي للصدر داخل المشهد العراقي، بينما ناقشت فرانس 24 ووكالة فرانس برس التعقيدات المرتبطة بتحويل القرار من إعلان سياسي إلى واقع مؤسسي.

 

سابعاً: روسيا وتركيا والكيان الاسرائيلي.. قراءة المصالح الجيوسياسية

في موسكو، ركزت وسائل الإعلام على فكرة الاستقرار وتعزيز الدولة المركزية، فقد رأت وكالة سبوتنيك أن أي خطوة تعزز سيادة العراق تستحق الدعم، بينما ناقشت روسيا اليوم انعكاسات القرار على موازين النفوذ الإقليمي، ولا سيما العلاقة بين بغداد وطهران.

أما الإعلام التركي فقد تعامل مع القرار من زاوية الأمن الإقليمي واستقرار الحدود، معتبراً أن استقرار العراق يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لتركيا في المقابل، ركز الإعلام في الكيان الإسرائيلي على تأثيرات الخطوة في بنية ما يسمى بمحور المقاومة، واعتبر أن القرار قد يؤدي إلى إعادة تشكيل بعض معادلات القوة داخل العراق والمنطقة.

ومما تقدم، تكشف القراءة المقارنة للتغطيات الإعلامية العالمية أن قرار السيد مقتدى الصدر تجاوز كونه إجراءً تنظيمياً داخلياً ليتحول إلى حدث سياسي إقليمي ودولي بامتياز فبينما رأت بعض وسائل الإعلام فيه خطوة تاريخية نحو تعزيز الدولة العراقية، تعاملت معه جهات أخرى باعتباره اختباراً معقداً ما زالت نتائجه النهائية غير محسومة.

وربما تكمن أهمية الحدث في أنه أعاد إلى واجهة النقاش سؤالاً مركزياً شغل العراق والمنطقة طوال العقدين الماضيين: هل تستطيع الدولة استعادة احتكارها المشروع للقوة المسلحة؟، وهل يمكن الانتقال من منطق الفصائل إلى منطق المؤسسات؟، اذ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لن تحدد مستقبل سرايا السلام وحدها، بل قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة للدولة العراقية بأكملها فنجاح التجربة سيعني فتح باب جديد أمام إعادة بناء العلاقة بين الدولة والفاعلين المسلحين، أما تعثرها فسيعيد إنتاج الأسئلة القديمة نفسها حول السيادة والشرعية ومستقبل الاستقرار في العراق والمنطقة.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

د. اسعد كاظم شبيب

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!