تكشف عن تحوّل نوعي في طبيعة التفاوض بين الطرفين، من كونه تفاوضاً تقنياً محصوراً بالملف النووي إلى مسار مركّب يدمج بين البعد الأمني الإقليمي، وترتيبات الردع، وإدارة الممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز اذ إن هذا التحول يعكس إدراكاً إيرانياً متقدماً بأن أي تسوية مستدامة لا يمكن أن تُبنى على تفكيك جزئي لملف دون آخر، بل تتطلب مقاربة شاملة تعيد تنظيم البيئة الأمنية في الإقليم.
في هذا السياق، يقدّم ما يمكن تسميته بـ (الإطار العملي الإيراني) تصوراً مرحلياً متعدد الأبعاد، يقوم على ثلاثة مراحل رئيسية، تُعالج في آنٍ واحد وقف التصعيد العسكري، وإعادة تنظيم العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، وتثبيت معادلة نووية جديدة تقوم على التجميد لا التفكيك، وفي ضوء ما تقدم يمكن قراءة مراحل التفاوض الإيراني المعروضة الى الجانب الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني من خلال النقاط الاتية:
المرحلة الأولى: من وقف إطلاق النار إلى إعادة هندسة البيئة الأمنية
تشير بنود المرحلة الأولى إلى أنها لا تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل تتجاوز ذلك نحو تحويله إلى إنهاء كامل للحرب خلال مدة زمنية لا تقل عن ثلاثين يوماً، وهذا البعد الزمني ليس تفصيلاً تقنياً، بل يمثل آلية لإدارة الانتقال من حالة الصراع المفتوح إلى حالة اللا حرب المستقرة، بما يسمح بإعادة ترتيب موازين القوى دون انهيار مفاجئ لأي طرف، والأهم من ذلك أن هذه المرحلة تطرح فكرة إنشاء (مرجعية دولية) لضمان عدم العودة إلى الحرب، وهو ما يعكس محاولة لنقل الصراع من منطق القوة الصلبة إلى منطق الضبط المؤسسي، فإيران هنا لا تكتفي بضمانات ثنائية مع الولايات المتحدة، بل تسعى إلى إدخال طرف ثالث أو إطار دولي يمنح الاتفاق بعداً إلزامياً ويحدّ من قابلية الانهيار.
وفي السياق ذاته، تتضمن المرحلة الأولى تعهداً متبادلاً بعدم الاعتداء بين إيران والولايات المتحدة، مع توسيع هذا التعهد ليشمل حلفاء الطرفين، بما في ذلك الكيان الإسرائيلي، وهذا البند تحديداً يمثل نقلة نوعية، إذ يحاول إدماج الصراع الإيراني– الإسرائيلي ضمن معادلة ردع غير مباشر تُدار عبر التفاهم الأمريكي– الإيراني.
البعد الجيوستراتيجي– مضيق هرمز وإعادة تعريف الأمن البحري
من أبرز عناصر المرحلة الأولى ربط رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية بفتح مضيق هرمز تدريجياً، وهو ربط يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية هذا الممر بوصفه أداة تفاوضية مركزية فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل يمثل عقدة حيوية في النظام الاقتصادي العالمي، حيث يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة.
إن عرض إيران تولي مسؤولية إزالة الألغام وتأمين الملاحة، مع عدم ممانعتها لتقديم دعم أمريكي، يشير إلى محاولة إعادة تعريف دورها من (فاعل مهدِّد) إلى (ضامن للأمن البحري). وهذا التحول -إن تحقق- سيعيد صياغة صورة إيران في النظام الإقليمي، من مصدر تهديد إلى شريك في إدارة الاستقرار، في المقابل يتضمن المقترح انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران البحري وإنهاء حالة التحشيد العسكري، وهو ما يعكس سعياً إيرانياً لتقليص الضغط العسكري المباشر، مقابل تقديم ضمانات تتعلق بحرية الملاحة.
الاقتصاد السياسي للتسوية (الحصار والتعويضات)
لا يقل البعد الاقتصادي أهمية عن البعد الأمني في هذا المقترح، حيث تنص المرحلة الأولى على رفع تدريجي للحصار عن الموانئ الإيرانية، بما يتناسب مع التقدم في فتح مضيق هرمز، وهذا الربط المتبادل يعكس منطق (الخطوة مقابل الخطوة)، الذي يسعى إلى بناء الثقة تدريجياً، كما يتضمن المقترح إعادة صياغة بند التعويضات بشكل مبتكر، وهو تعبير يوحي بإمكانية الانتقال من التعويضات المباشرة إلى صيغ بديلة، مثل الاستثمارات أو الترتيبات الاقتصادية طويلة الأمد، وهذا النهج قد يسمح بتجاوز العقد القانونية والسياسية المرتبطة بمسألة المسؤولية المباشرة.
المرحلة الثانية: التجميد النووي كبديل عن التفكيك
تنتقل المرحلة الثانية من المقترح إلى معالجة الملف النووي، ولكن بمنطق مختلف عن الاتفاقات السابقة، إذ تقترح تجميداً كاملاً لعمليات تخصيب اليورانيوم لمدة قد تصل إلى خمسة عشر عاماً، ويعكس هذا الطرح محاولة لتحقيق توازن بين مطلب الولايات المتحدة بوقف التخصيب، ورفض إيران لتفكيك بنيتها التحتية النووية.
ويُعد مبدأ (صفر تخزين) أحد أهم عناصر هذه المرحلة، حيث يسمح لإيران باستئناف التخصيب بعد انتهاء المدة بنسبة 3,6%، ولكن دون الاحتفاظ بمخزون استراتيجي، وهذا يعني أن البرنامج النووي سيبقى قائماً من الناحية التقنية، لكنه سيكون مقيداً من حيث القدرة على التحول السريع إلى الاستخدام العسكري اذ إن هذا النموذج يختلف جذرياً عن منطق (التفكيك الكامل)، ويقترب أكثر من مفهوم (الاحتواء طويل الأمد)، الذي يهدف إلى إدارة الخطر بدلاً عن إزالته بالكامل.
الدلالات الاستراتيجية للمقترح وتحدياته
يمكن قراءة هذا المقترح من خلال عدة دلالات استراتيجية: يعكس انتقال إيران من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، حيث لم تعد تكتفي بالرد على المقترحات الغربية، بل باتت تطرح إطاراً تفاوضياً متكاملاً ويكشف عن إدراك إيراني بأن الملف النووي لم يعد منفصلاً عن البيئة الأمنية الإقليمية، وأن أي تسوية تتطلب معالجة شاملة لمصادر التوتر، ويشير إلى محاولة إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة على أساس (إدارة التنافس) بدلاً عن (الصراع المفتوح)، ورغم الطابع المتماسك للمقترح، إلا أنه يواجه مجموعة من التحديات رفض محتمل من قبل إسرائيل لأي صيغة لا تتضمن تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وتحفظات داخلية في الولايات المتحدة بشأن تقديم ضمانات أمنية لإيران، تعقيدات مرتبطة بآلية تنفيذ الانسحاب العسكري الأمريكي، صعوبة ضمان التزام الأطراف غير الحكومية في المنطقة.
استنتاجاً لما تقدم، يمثل المقترح الإيراني إطاراً تفاوضياً متقدماً يعكس تحولات عميقة في التفكير الاستراتيجي لطهران، حيث يسعى إلى الجمع بين الأمن والاقتصاد والملف النووي ضمن رؤية متكاملة. وعلى الرغم من التحديات التي تواجهه، إلا أنه يفتح الباب أمام نموذج جديد من التسويات يقوم على التدرج، والتبادلية، وإدارة التوازنات بدلاً من حسمها، وفي حال نجاح هذا المسار، فإنه قد لا يقتصر على إعادة تشكيل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، بل يمتد ليؤسس لنمط جديد من التفاعلات الإقليمية في الشرق الأوسط، يقوم على ضبط الصراع بدلاً من تصعيده.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!