دخلت المواجهة بشكل تدريجي نحو مرحلة جديدة من الاستهداف التقليدي لأهداف عسكرية واغتيالات عسكرية وسياسية، الى حرب هجينة تستهدف منشآت حيوية للطاقة والكهرباء والبنى التحتية والقواعد العسكرية والدبلوماسية للطرفين، ما عقد المشهد العسكري والسياسي مع استمرار التصعيد وعدم وجود ملامح لنهاية الصراع وانعدام قنوات التواصل الفعلية المقنعة بين الاطراف المتحاربة لبدء مفاوضات بوساطة اقليمية او دولية.
التحول الآخر في هذه الحرب هو الانتقال من الاهداف العسكرية وحتى منشآت البنى التحتية الى محاولة السيطرة والتحكم في حرية الملاحة في منطقة الخليج بشكل عام ومضيق هرمز بشكل خاص، ما يعني ان هذه الحرب ادخلت المنطقة والعالم مرحلة ابعد من اهدافها المعلن عنها بداية من قبل الطرفين الامريكي والاسرائيلي المتمثلة بتغيير النظام الايراني او تعديل سلوكه وتدمير برنامجه النووي والصاروخي وانهاء نفوذه الاقليمي، نحو السيطرة على الممرات المائية واتساع اهداف الحرب لأطراف اخرى، ولتتحول ايران ايضا من مرحلة الدفاع المتقدم الى اظهار القدرة على تحمّل الاستنزاف والضغط باتجاه خلق ازمة طاقة عالمية، وتهديد دول الخليج، مع تجنب البحث عن افق دبلوماسي يفرض عليها شروط الاستسلام، مستغلة قدراتها وجبهاتها الاقليمية في استهداف المصالح الامريكية في المنطقة وقدرتها على اختراق عمق الاراضي المحتلة، ما ادخلها في مرحلة اعادة توازن الردع رغم شدة الضربات التي تتعرض لها، وهي تستغل موقعها الجغرافي والتضاريس المعقدة لفرض سيطرتها على مضيق هرمز.
تعالج هذه الورقة تقييم نتائج الحرب حتى الآن، والتصورات المستقبلية القادمة، فيما لو ستتطور مجرياتها او تشهد لحظة تهدئة ووقف اطلاق النار، او التوصل الى تسوية واتفاق ينهي استمرارها في الوقت الحاضر.
أولا: تقييم نتائج الحرب
لغاية الان وبعد دخول الحرب شهرها الثاني وما ذكرناه من تحولات، ندرج ادناه اهم مؤشرات نتائج هذه الحرب كالتالي:
1- غياب الرؤية الاستراتيجية: يمكن الجزم ان واشنطن وتل ابيب لا يمتلكان تصور محدد نحو ما هي مآلات هذه الحرب وكيف ستنتهي، اذ لم يضع الطرفان خطة بديلة في حال عدم تحقق اهدافها، ما يعني غياب الرؤية الاستراتيجية لهذه الحرب، فقد كانت اهداف الحرب بالنسبة لهما كما ذكرنا: اغتيال المرشد الاعلى والقيادات العسكرية، واستهداف المنظومة الامنية للنظام بما فيها القدرات الصاروخية الباليستية، وتدمير ما تبقى من البرنامج النووي، ثم تحريك الجبهة الداخلية، واختراق هذا المشهد ليسقط النظام وتعم الفوضى ويتم التحكم بخيارات القوى السياسية الجديدة، فإسرائيل تعتبر نظام الجمهورية الاسلامية في ايران آخر مصدر لتحقيق طموحاتها الوجودية والتوسعية المغلفة بالقراءات الاصولية الدينية المتطرفة، لكن صمود النظام في ايران وتصاعد قدراته في الرد والردع والاستهداف والتحكم بمضيق هرمز، ثبت معادلة التعامل مع بقاءه، ما دفع اسرائيل الى استهداف مصادر الطاقة والبنى التحتية في ايران رغم المعارضة الامريكية.
2- تناقضات الرئيس ترامب وتعارضها مع الرؤية الاسرائيلية: أبرز نتائج هذه الحرب عند متابعة خطابات ولقاءات ترامب نجد تناقضات وتحولات مثيرة بين كل موقف، ويبدو انه فعلا يريد ان يستفيد من اسعار الطاقة والتداولات المالية وتشتيت ايران، وطرحه الرغبة في التفاوض وقبول الوساطات وادعاءاته ان ايران تتوسل اليه لغرض التفاوض، وتكذيب ايران رسميا لذلك لم يعطِ انطباع واضح ان ادارته تعاني من ارتباك وعدم وجود تصور واضح لمسار الحرب، وقد يكون في ذلك تغطية لفعل عسكري قادم، وقبل يومين تم استهداف الجسور والابنية المدنية ما يشير الى تحول من الضغط العسكري الى الضغط المجتمعي ليشمل الضرر كل اطياف المجتمع الايراني في العودة مرة اخرى للارتكاز على معادلة تحريك الداخل واضعاف تماسكه والتفافه مع قياداته.
وفي ذات الوقت، قد يعمل ترامب على تحرك عسكري بري محدود يعلن من خلاله انتهاء الحرب وتحقيق الاهداف، لأنه يدرك ان معادلة تحريك الداخل لن تتحقق، ويذهب باتجاه دعم مباحثات مباشرة او غير مباشرة مع ايران عبر الوساطات الاقليمية المطروحة، وفي ذات الوقت البحث عن تحالف دولي او قرار اممي من مجلس الامن لتشكيل قوة عسكرية لفتح مضيق هرمز والسيطرة عليه، كل هذه المواقف تمثل سياقات متناقضة لا تشير الى وجود رؤية استراتيجية محددة، ولا موقف واضح لنهايتها، ولا يمكن وضع تصور لحالة يقين عن ما يريده ترامب من حربه على ايران وكيف سينهيها.
3- عدم ضمان نتائج الحسم العسكري والسياسي للطرفين: كما اشرنا ان اهداف الحرب لم تتحقق للطرف المعتدي، وبالنسبة لإيران اثبتت قدرتها على الصمود، رغم ان النظام قد يصبح ضعيفا بعد انتهاء الحرب سياسيا واقتصاديا، فاستمرار الضربات العسكرية ضد اهداف حكومية وأمنية بهدف التأثير على استقرار النظام قد يؤدي على المدى البعيد الى إضعاف قدراته في مواجهة التحديات الداخلية، خاصة اذا تجددت الاحتجاجات الشعبية. ومع ذلك، فإن هذه الهجمات لا تؤثر في تماسك القوات الامنية الايرانية وقدرتها على السيطرة على النظام والدولة، وفقا لذلك، فأن الحرب وصلت لمرحلة المراوحة والاستنزاف والتصعيد، ما سيفرض مسارا لصالح من يستطيع التحمل اكثر في هذه الحرب، والتي طالت مصادر الطاقة بسبب حالة المراوحة فيها.
المؤشرات والمعطيات الحالية تشير الى ان الحرب قد تكرس مشهدا لاستمرار حرب استنزاف دون حسم، ورغم ان اسرائيل حاولت كسر حالة المراوحة عن طريق استهداف حقل الغاز الايراني في بارس وتدمير الاسطول الايراني في بحر قزوين، غير ان ترامب لم يتفق مع هذا الفعل بداية، رغم انه ذهب الان بهذا الاتجاه، لكن هناك معطى مهم وهو استنزاف موارد اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية، ولا توجد تغطية مالية لكلف الحرب، ما يعني ان اسرائيل والولايات المتحدة أعطتا اهمية مبالغ فيها للقوة العسكرية لإسقاط النظام، مقابل تقدير غير دقيق لقدرة ومناعة هذا النظام على المقاومة والبقاء، بل واستهدافهما واستهداف مصالحهما في المنطقة.
يبدو ان طهران جهزت نفسها جيدا لهذه الحرب، ما يدل على ان تل ابيب وواشنطن بدآ الحرب وفق تحضير استراتيجي خاطئ، يضاف لذلك وجود كمية تقدر بحوالي 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪ ولا يمكن لأي طرف ان يحدد كيف يمكن الحصول عليها.
أمام هذا الواقع، فإن لدى تل ابيب وواشنطن خياران: إما تنفيذ عملية عسكرية محدودة في اصفهان للحصول عليها، وهذه ستواجه تعقيدات ومقاومة شديدة لما لإيران من جهوزية كافية لمواجهة هذا الخيار، او التوصل لاتفاق مع ايران بهذا الخصوص، وحاليا لا يزال الواقع لا يحفز ايران على ذلك، وقد يبرز من هذين التعقيدين خيار اخر، وهو اتجاه طهران نحو تصنيع القنبلة النووية، وهو امر مطروح فقد تغير ايران وجهة نظرها الشرعية في ظل التصعيد ضدها، خاصة مع صعود قيادة اكثر تشددا ترى في السلاح النووي ضمانا لبقاء النظام وردع الهجمات على ايران مستقبلا.
ثانيا: التصورات المستقبلية للحرب
تبرز عدة سيناريوهات لهذه الحرب تتمثل فيما يلي:
1- انهاء الحرب من قبل واشنطن: لعدة حيثيات، منها عدم القدرة على الحسم العسكري ولا اسقاط النظام في ايران وعدم القدرة على تغطية تكاليف الحرب، ويأتي هذا الانهاء بعد توجيه ضربات عسكرية قوية مع انزال او تدخل بري شكلي محدود، يعلن من خلاله ترامب الاكتفاء وانتهاء الحرب وتحقيق الاهداف وتدمير قدرات النظام ومؤسساته، مع التأكيد على وجود بؤرة تفاوضية لكنها غير حقيقية في الواقع. هذا الوضع يعطي افضلية لايران مستقبلا في وضع حدود ردع تعيد حسابات اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية في اعتمادها على تغيير النظام بالقوة العسكرية او الرهان على انهيار الجبهة الداخلية، ما يدفع بشكل تدريجي الى مسار التفاوض مع ايران ليس مع واشنطن انما مع المجتمع الدولي، خاصة ان ورقة مضيق هرمز وباب المندب ترجح هذا التصور. وهنا قد يتشكل تحالف دولي اوروبي على وجه التحديد اضافة الى واشنطن لادارة المضيق، عبر ارسال قوات بحرية مشتركة، مع التأكيد على ان هذه القوات مهامها تتعلق بأمن الطاقة لا بدعم الحرب، وهذا الخيار قد يكون من خلال قرار لمجلس الامن او الامم المتحدة، او خيار لحلف الناتو اذا وقف الفيتو الروسي والصيني بالضد منه، اي عبر مهمة اوروبية مستقلة لحماية الممر البحري، يكون عبر اطلاق مهمة بحرية مخصصة ضمن اطار السياسة الامنية والدفاعية المشتركة للحلف بموجب المادة 43 من معاهدة الاتحاد، وموافقة الإجماع من الدول الاعضاء، وتحديد القوات المساهمة.
2- استمرار نطاق المواجهات وتصعيد ممتد: لتتسع المواجهة والحرب في لبنان وسوريا والعراق واليمن، خاصة مع فشل المسارات الدبلوماسية، وهنا ستواجه ايران تآكل تدريجي لقدراتها، خاصة مع استمرار الضربات الاسرائيلية الامريكية على البنية التحتية العسكرية والاقتصادية الايرانية، وهذا بدوره سيضعف قدرتها على ادارة نفوذها الاقليمي تدريجيا. لكن ايران ستكرس كل ما لديها لنقل المواجهة الى مستويات اعلى من الاستهداف لدول الخليج والقواعد الامريكية فيها، ليشمل بنى حيوية اعمق، ما يرفع كلفة الحرب على الخصم وحلفاءه ويدفعه الى التفكير بايقافها. وهذا لن يحصل في ظل هذا التصور الا اذا اقترب الصراع من مستوى يقترب من المواجهة الشاملة لكن ضمن نطاق منخفض الكثافة، وستكون المواجهات البحرية في مضيق هرمز الاكثر حصولا وتأثيرا، ما يعني تصاعد الازمة الاقتصادية العالمية في مجال الطاقة.
3- التوصل الى وقف اطلاق النار: اعلان هدنة هشة بدون ضوابط وبنود واضحة، هذا التصور هو الاقرب للواقع والاكثر ترجيحا حاليا، ايقاف الحرب دون حل اسبابها يعني ان الاستقرار سيكون معلقا؛ فلا حرب شاملة ولا سلام دائم، مرونة العودة للحرب تبقى واضحة، اذ لا حرب مفتوحة، ولا قواعد واضحة تمنعها، وفي ظل هذه الهشاشة وعدم اليقين من السلام ستعمل جميع الاطراف على اعادة بناء وتعزيز قدراتها العسكرية، خاصة في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة والدفاعات الجوية، استعدادا للحرب ان عادت، ما يعني ان المواجهات القتالية المحدودة ستفرض نفسها في اي لحظة. وهذا التصور سيشكل ضغطا مستمرا على الاقتصاد العالمي من خلال التهديد المستمر للممرات البحرية الحيوية وعلى رأسها مضيق هرمز، وسيبقي المخاطر الاقتصادية والامنية مرتفعة، وينعكس على الاستثمارات واسواق الطاقة وسلاسل التوريد والامداد لسنوات.
4- اتفاق وتسوية حقيقية: من المحتمل الركون الى تسوية او اتفاق اطاري جديد يعيد ضبط الوضع الاقليمي، لا يتمحور حول وقف اطلاق النار وانتهاء القتال والحرب، بل يركز هذا الاتفاق على عدة امور أبرزها تفكيك البرنامج النووي الايراني او ضمان تحييده ليكون استخدامه للطاقة السلمية، وتقنين النفوذ الاقليمي وتراجع دور الوكلاء للاطراف كافة وتقليل قدرتهم على فرض وقائع امنية وسياسية في المنطقة. كذلك يشمل الاتفاق امن الممرات المائية باعتباره ملفا اقليميا ودوليا مشتركا يتضمن ترتيبات جديدة خاصة مضيق هرمز، ليتحول من اداة ضغط الى ادارة جماعية دولية، ما يقلل من توظيفه كسلاح واداة ضغط في اي تصعيد محتمل. نجاح هذا المشهد يتوقف على شرط حاسم، ان يكون الاتفاق مدعوما بتوازن قوة واقعي من حيث ثقل اطرافه والتزاماتهم تجاه ادارته وفق الرؤية المصلحية الجماعية.
ختاما: مع كل هذه التصورات والمشاهد المحتملة يمكن القول: ان المنطقة لم تعد قادرة على الرجوع الى وضعها السابق قبل هذه الحرب، فكل قواعد الردع والاشتباك والصراع والقدرات تعرضت لاختبار قاس، ولم يعد السؤال مقتصرا على كيفية انتهاء الحرب، لكن الاهم هو أي نظام اقليمي سيتمكن من الاستمرار بعد انتهائها؟، فالحروب لا تعيد توزيع القوة فقط بل تعيد أيضا تعريف قواعدها، التحول الاهم الذي كشفت عنه هذه الحرب يتمثل في انتقال مركز الثقل من القوة العسكرية الى القدرة على الصمود والبقاء، فالدول التي تقدر على ادارة الازمات وحماية اقتصادها والحفاظ على تماسكها الداخلي هي التي سترسم شكل النظام الاقليمي المقبل، لذلك فأن السؤال الاهم ليس من سينتصر في الحرب، بل أي طرف سيتمكن من البقاء، لأن البقاء هو العامل الذي سيعيد تشكيل المنطقة بعد اي مواجهة وحرب وتصعيد.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!