ولشكل التوازنات الممكنة في بيئة إقليمية معقدة ومفتوحة على احتمالات متعددة، فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، لم تنظر إيران إلى نفسها كدولة تقليدية ضمن نظام إقليمي مستقر، بل كفاعل ثوري في مواجهة منظومة دولية وإقليمية تعتبرها معادية، وهو ما جعل العقيدة الأمنية تتشكل منذ البداية على أساس الجمع بين البعد الأيديولوجي ومتطلبات البقاء الاستراتيجي، وقد تعمّق هذا الإدراك خلال الحرب العراقية الإيرانية، التي تركت أثرًا بالغًا في الوعي العسكري الإيراني، إذ أظهرت كلفة المواجهة المباشرة طويلة الأمد، ورسّخت قناعة بأن الدفاع الفعّال لا يكون فقط داخل الحدود، بل عبر إبعاد ساحة الصراع قدر الإمكان عن الداخل الإيراني.
انطلاقًا من هذه الخلفية، تبلورت فكرة وحدة الساحات بوصفها الإطار النظري الذي يعيد تعريف الجغرافيا السياسية للصراع، فبدل أن تكون المواجهة محصورة في حدود دولة بعينها، أصبحت تُفهم كشبكة مترابطة من الجبهات الممتدة عبر الإقليم، تشمل (لبنان وسوريا والعراق وغزة واليمن)، وتنطلق هذه النظرية من فكرة أن الأمة الإسلامية كيان واحد لا تحدّه الجغرافيا، وهو مفهوم متجذر في الفكر الإسلامي عمومًا، وفي الفكر السياسي الشيعي خصوصًا، وتُعتبر نظرية ولاية الفقيه الإطار الذي يمنح الشرعية الدينية لوحدة الساحات، فالمرجعية الدينية السياسية الواحدة تُسهم في توحيد القرار وتنسيق الفعل بين أطراف متعددة، على أساس الطاعة الدينية والالتزام العقائدي.
في هذا التصور لا تعود كل ساحة مستقلة بذاتها، بل تصبح جزءًا من منظومة تفاعلية، حيث يمكن لأي حدث في إحداها أن يولّد ردود فعل في ساحات أخرى، هذا الترابط لا يهدف فقط إلى توسيع رقعة الصراع، بل إلى خلق حالة دائمة من عدم اليقين لدى الخصم، بحيث يصبح من الصعب عليه تركيز جهده العسكري أو تحقيق حسم سريع، وهنا يبرز البعد الذهني في العقيدة الإيرانية، إذ تسعى إلى تحويل التفوق العسكري النوعي لخصومها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى عبء استراتيجي من خلال تشتيته على مساحات متعددة، إذ نقل مركز الثقل من المواجهة المباشرة إلى إدارة شبكة من الأزمات المتزامنة، ما يجعل أي قرار بالتصعيد ضدها مكلفًا سياسيًا قبل أن يكون عسكريًا، بمعنى آخر لم تعد إيران تسعى فقط إلى تحقيق توازن قوى، بل إلى فرض تشابك أزمات يقيّد حرية حركة خصومها ويجعلهم أسرى حسابات معقدة.
غير أن وحدة الساحات بقيت في جوهرها إطارًا نظريًا يحتاج إلى أدوات تنفيذية، وهو ما تجسّد في ما يُعرف بـسياسة المحاور في هذه المرحلة، لم تعد إيران تكتفي بتصور الصراع كشبكة مترابطة، بل شرعت في بناء هذه الشبكة فعليًا عبر نسج تحالفات مع فاعلين متنوعين، من دول إلى حركات مسلحة وتنظيمات غير دولية، وبهذا المعنى فإن ما يُسمى بـمحور المقاومة ليس مجرد تحالف سياسي، بل هو بنية استراتيجية مرنة تقوم على توزيع الأدوار وتعدد مراكز الفعل، فقد عملت طهران على دعم قوى مثل: حزب الله وحماس وأنصار الله، ليس فقط من خلال التمويل أو التسليح، بل عبر نقل الخبرات وبناء قدرات ذاتية لدى هذه الأطراف، بما يسمح لها بالعمل بدرجة من الاستقلالية ضمن إطار عام يخدم الأهداف الإيرانية.
تكمن أهمية هذه السياسة في أنها سمحت لإيران بتحقيق نفوذ إقليمي واسع دون الانخراط في حرب تقليدية شاملة، إذ وفّرت لها إمكانية إدارة الصراع عبر وسطاء، مع الاحتفاظ بهامش إنكار سياسي يقلل من كلفة التصعيد المباشر، كما أنها أسهمت في بناء عمق استراتيجي ممتد، بحيث لم تعد حدود إيران هي خط الدفاع الأول، بل أصبحت هناك طبقات متعددة من الردع موزعة عبر الإقليم ومع ذلك، فإن هذا النموذج، على الرغم من فعاليته، لم يكن خاليًا من القيود، إذ إن الاعتماد على فاعلين غير دوليين يفرض تحديات تتعلق بمدى القدرة على ضبط سلوكهم أو التحكم في توقيت تصعيدهم.
في هذا السياق، ومع تزايد الضغوط والضربات التي طالت مواقع ومصالح إيرانية بشكل مباشر، بدأت ملامح تحول جديد نحو ما يمكن وصفه بمرحلة الحرب المفتوحة، هذا التحول لا يعني بالضرورة التخلي عن سياسة المحاور، بل يعكس إضافة مستوى جديد من الانخراط يقوم على استخدام القوة المباشرة عندما تقتضي الحاجة، فبدل الاكتفاء بالرد عبر الوكلاء، أصبحت إيران أكثر استعدادًا لإظهار قدرتها على تنفيذ ضربات مباشرة، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو غيرها من الوسائل، ويعكس هذا التحول رغبة في إعادة صياغة معادلات الردع، بحيث لا تقوم فقط على التهديد غير المباشر، بل على إظهار القدرة الفعلية على إيقاع الضرر بالخصم بشكل واضح وقابل للإسناد.
إن الانتقال إلى هذا النمط من المواجهة يعبّر عن إدراك إيراني بأن بعض التحديات لا يمكن التعامل معها ضمن قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت مرحلة حروب الظل، وأن الحفاظ على مصداقية الردع يتطلب أحيانًا تجاوز هذه القواعد ومع ذلك، فإن هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة، أبرزها احتمال الانزلاق إلى تصعيد واسع يصعب احتواؤه، خاصة في ظل تداخل الجبهات وتعدد الفاعلين.
من زاوية أوسع، يمكن القول إن التحول الإيراني يعكس انتقال المنطقة نفسها من مرحلة إدارة النزاعات إلى مرحلة إعادة تشكيل التوازنات، فإيران لم تعد تتعامل مع صراعات منفصلة، بل مع بيئة إقليمية يجري فيها إعادة رسم موازين القوة بشكل تدريجي، وهي تحاول أن تكون فاعلًا رئيسيًا في هذه العملية لا مجرد متأثر بها.
وعند النظر إلى هذه المراحل الثلاث في سياق واحد، يتضح أنها تمثل حلقات متراكمة ضمن بنية استراتيجية واحدة، فـوحدة الساحات توفّر الإطار الفكري الذي يعيد تعريف الجغرافيا القتالية، وسياسة المحاور تمثل الأداة التنفيذية التي تجسّد هذا الإطار على الأرض، في حين تأتي الحرب المفتوحة كخيار تصعيدي أعلى يُستخدم عند الضرورة لتعزيز الردع أو إعادة ضبط التوازنات وبهذا المعنى، فإن العقيدة الإيرانية الراهنة تقوم على مبدأ المرونة، أي القدرة على الانتقال بين أنماط مختلفة من الصراع، أو حتى الجمع بينها في الوقت نفسه، وفقًا لمتطلبات كل مرحلة، إلا أن هذا المسار، رغم ما يوفره من مرونة، يظل محفوفًا بمخاطر بنيوية، لأن الجمع بين تعدد الساحات وتداخل الفاعلين وارتفاع مستوى الانخراط المباشر يخلق بيئة يصعب التحكم في تفاعلاتها على المدى الطويل، وهو ما يجعل الاستقرار في المنطقة مسألة مؤقتة أكثر منه حالة دائمة.
في المحصلة، يمكن القول إن إيران انتقلت من استراتيجية تسعى إلى تجنب المواجهة المباشرة إلى استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على إدارة طيف واسع من أشكال الصراع، بدءًا من العمل غير المباشر مرورًا بالحروب بالوكالة وصولًا إلى الانخراط المباشر، هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في موازين القوة أو طبيعة التهديدات، بل يشير إلى نضج في التفكير الاستراتيجي يسعى إلى تعويض الفوارق التقليدية عبر الابتكار في أساليب الصراع وإعادة تعريف قواعده.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!