موقف روسيا والصين من الحرب على ايران

موقف روسيا والصين من الحرب على ايران
في فجر السابع والعشرين من شباط/ فبراير 2026 دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الصراع، حين شنّت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة ضد إيران استهدفت مراكز قيادية وعسكرية حساسة في طهران وعدد من المدن الإيرانية..

وقد كان الحدث الأكثر صدمة في تلك الضربة هو القصف الذي طال مقر إقامة ومكتب المرشد الأعلى في الجمهورية الايرانية، ما أدى إلى اغتياله وعدد من افراد عائلته بالإضافة الى عدد من المسؤولين الإيرانيين من بينهم وزير الدفاع ومستشار الامن القومي، ولم يكن هذا الحدث مجرد ضربة عسكرية، بل محاولة لإحداث زلزال سياسي داخل النظام الإيراني، فقد راهنت واشنطن وتل أبيب على أن اغتيال رأس النظام المتمثل بالمرشد الأعلى او الولي الفقيه سيؤدي إلى انهيار توازن السلطة داخل الجمهورية الإسلامية، وربما إلى تفكك الدولة أو انزلاقها إلى صراع داخلي.

غير أن التطورات اللاحقة كشفت أن الحسابات الأمريكية- الإسرائيلية لم تكن دقيقة تماماً فخلال أيام قليلة استطاعت المؤسسة السياسية والدينية في إيران تجاوز صدمة الاغتيال، وتم اختيار مرشداً أعلى جديداً، في خطوة هدفت إلى الحفاظ على استمرارية النظام وتماسكه وفي تلك اللحظة تحديداً بدأ السؤال الدولي الكبير يتشكل: كيف ستتصرف روسيا والصين؟ وهما الدولتان الأكثر ارتباطاً بإيران في المعادلة الجيوسياسية الدولية.

 

أولاً: الأهداف الأمريكية- الإسرائيلية من الحرب على إيران

تُظهر القراءة المتأنية للتصريحات الرسمية والتقارير الاستراتيجية أن العملية العسكرية لم تكن مجرد رد فعل عسكري، بل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات الإقليمية والدولية، ويمكن تلخيص أبرز أهداف هذه الحرب في عدة مستويات: منها تغيير بنية النظام الإقليمي فمنذ عقدين تمثل إيران أحد أهم مراكز القوة في الشرق الأوسط، وقد أدى توسع نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن إلى خلق محور إقليمي جديد ينافس النفوذ الأمريكي والإسرائيلي لذلك هدفت الضربة العسكرية إلى تقليص الدور الإيراني وإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، وتدمير البرنامج النووي الإيراني حيث ان المنشآت النووية كانت من بين الأهداف الرئيسية للضربات الأولى، في محاولة لتعطيل أو تأخير البرنامج النووي الإيراني الذي ترى واشنطن وتل أبيب أنه يمثل تهديداً استراتيجياً.

ان اغتيال المرشد الأعلى كان محاولة واضحة لإحداث فراغ قيادي داخل النظام الإيراني، لكن ما حدث لاحقاً أظهر أن النظام الإيراني يمتلك بنية مؤسساتية قادرة على امتصاص الصدمات السياسية وإعادة ترميم الردع الإسرائيلي، اذ شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً نسبياً في قوة الردع الإسرائيلي أمام محور المقاومة، لذلك جاءت الحرب أيضاً في إطار محاولة إعادة فرض الهيمنة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، لكن بعد أسبوعين من الحرب بدأت المؤشرات تشير إلى أن تحقيق هذه الأهداف لم يكن سهلاً، خاصة بعد الردود الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز الذي أحدث صدمة في الاقتصاد العالمي.

 

ثانياً: إيران بين صدمة الاغتيال واستمرارية النظام

رغم قسوة الضربة الأولى، فإن إيران تعاملت مع الأزمة وفق منطق إدارة الصدمات الاستراتيجية فقد اتخذت القيادة الإيرانية عدة خطوات سريعة من خلال تثبيت القيادة الجديدة، حيث تم إعلان تعيين المرشد الأعلى بسرعة، ما منع حدوث فراغ سياسي، وإطلاق عمليات الرد العسكري شملت ضربات صاروخية واستهداف مواقع عسكرية مرتبطة بالقوات الأمريكية، واستخدام الورقة الاقتصادية الاستراتيجية، وهي إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، وهذا القرار كان بمثابة نقلة استراتيجية في الحرب، لأنه نقل الصراع من ساحة عسكرية إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية.

 

ثالثاً: الموقف الروسي- دعم سياسي وحسابات باردة

منذ الساعات الأولى للحرب، أدانت موسكو الضربات الأمريكية- الإسرائيلية، واعتبرتها عدواناً غير مبرر وانتهاكاً للقانون الدولي، كما بعث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالة إلى المرشد الجديد أكد فيها أن روسيا ستبقى "شريكاً موثوقاً لإيران" في مواجهة التحديات لكن الموقف الروسي اتسم في الوقت نفسه بدرجة عالية من البراغماتية السياسية، فموسكو اكتفت بـالإدانة السياسية، والتحرك الدبلوماسي، ودعم إيران في مجلس الأمن لكنها لم تدخل الحرب عسكرياً والتساؤل هنا لماذا هذا الحذر الروسي؟ لعل هناك عدة أسباب لذلك منها: الحرب في أوكرانيا فروسيا تخوض حرباً كبيرة في أوكرانيا، وهي لا ترغب في فتح جبهة عسكرية جديدة. والحسابات الاقتصادية اذ ان الحرب في الخليج أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير، وهو ما يصب في مصلحة الاقتصاد الروسي، وتشير بعض التحليلات الغربية إلى أن موسكو ترى في الأزمة فرصة استراتيجية لإضعاف الغرب اقتصاديا واستنزاف الولايات المتحدة فكلما انشغلت واشنطن في الشرق الأوسط، قلّ تركيزها على الحرب في أوكرانيا وبالتالي يمكن القول إن روسيا تتبع سياسة الدعم السياسي لإيران مع الاستفادة من تداعيات الحرب كما تشير المعطيات الى دعم روسي لإيران خصوصا على مستوى اللوجستيات المتعلقة الأهداف العسكرية بالنسبة لإيران.

 

رابعاً: الموقف الصيني- الدبلوماسية الحذرة

الصين اتخذت موقفاً مختلفاً عن روسيا، حيث ركزت بشكل أساسي على الدعوة إلى وقف التصعيد والحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي، فقد دعت بكين جميع الأطراف إلى وقف العمليات العسكرية فوراً، مؤكدة ضرورة الحفاظ على أمن الملاحة في مضيق هرمز واستقرار إمدادات الطاقة العالمية، ويرتبط هذا الموقف بعدة اعتبارات منها: امن الطاقة فالصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط، لذلك فإن أي اضطراب في مضيق هرمز يمثل تهديداً مباشراً للاقتصاد الصيني، كما ان المصالح الاقتصادية والصين ترتبط بإيران باتفاقيات اقتصادية طويلة الأمد، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

تشير بعض التحليلات إلى أن بكين تتبع سياسة "اللعبة الطويلة" في الشرق الأوسط، أي الحفاظ على علاقاتها مع جميع الأطراف دون الانخراط في الصراعات العسكرية لكن المعطيات تشير الى ان هناك تعاون عسكري واستخباراتي واضح في دعم ايران لمواجهة خصومها كون ان الصين لا تريد ان تخسر ايران بعد خسارة فنزويلا كون ذلك يؤثر على المعادلات الدولية.

 

خامساً: أزمة مضيق هرمز وتأثيرها العالمي

إغلاق مضيق هرمز كان أحد أهم التطورات في الحرب فهذا الممر البحري ينقل نحو 20% من النفط العالمي، ولذلك فإن تعطيله أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، اضطراب التجارة العالمية، وإطلاق أكبر عملية سحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في العالم، كما حذرت الأمم المتحدة من أن تعطيل الملاحة في المضيق قد يؤدي إلى أزمة إنسانية بسبب تأخير وصول الإمدادات الغذائية والطبية.

 

سادساً: هل استفادت روسيا والصين من إغلاق مضيق هرمز؟

من الناحية الاقتصادية، يمكن القول إن روسيا كانت أحد المستفيدين غير المباشرين من الأزمة فارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة الإيرادات الروسية، وتعزيز دور موسكو كمصدر بديل للطاقة، وتخفيف الضغط الاقتصادي الناتج عن العقوبات الغربية لكن هذه المكاسب قد تكون مؤقتة إذا أدت الحرب إلى ركود اقتصادي عالمي، والوضع بالنسبة للصين قد يكون مختلف تماماً فالصين تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، ولذلك فإن تعطيل مضيق هرمز يشكل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي ولهذا السبب ركزت بكين على الحل الدبلوماسي لمنع إغلاق المضيق لفترة طويلة.

 

سابعاً: مستقبل العلاقة بين روسيا والصين وإيران

قبل الحرب بفترة قصيرة، أجرت الدول الثلاث مناورات بحرية مشتركة في مضيق هرمز تحت اسم "حزام الأمن البحري"، وقد اعتُبرت تلك المناورات مؤشراً على تنامي التعاون الاستراتيجي بين الدول الثلاث ومع اندلاع الحرب، بدأت تتشكل ملامح محور سياسي جديد يقوم على التعاون العسكري غير المباشر، والتنسيق الدبلوماسي، التعاون الاقتصادي والطاقوي، وتشير المعطيات الحالية إلى أن الحرب قد تدفع هذه الدول إلى تعميق التعاون الاستراتيجي، ومن أبرز المجالات المتوقعة التعاون العسكري والتكنولوجي، والتنسيق السياسي في المؤسسات الدولية، وإنشاء أنظمة مالية بديلة عن الدولار، وتعزيز التعاون في الطاقة والنقل، وقد يؤدي ذلك إلى ظهور كتلة جيوسياسية جديدة في مواجهة الغرب.

ومما تقدم نستطيع القول، ان الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين أو محورين إقليميين، بل هي جزء من صراع أوسع حول شكل النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين فالولايات المتحدة تسعى للحفاظ على هيمنتها العالمية، في حين تحاول قوى صاعدة مثل روسيا والصين إعادة تشكيل موازين القوة الدولية، وفي هذا السياق، تبدو إيران اليوم أحد أهم ساحات هذا الصراع العالمي، فهل ستتحول الحرب إلى مواجهة إقليمية طويلة؟ أم أنها ستكون نقطة تحول في مسار النظام الدولي؟، الإجابة عن هذا السؤال ستتضح في الأشهر القادمة، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف اليوم على عتبة مرحلة تاريخية جديدة.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net


د. اسعد كاظم شبيب

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!