وبما ان المشهد الأمني في العراق يمر بمرحلة انتقالية حرجة؛ فمن جهة تعتمد الدولة بشكل متزايد على الرقمنة في إدارة قطاعات النفط، الكهرباء، والاتصالات، ومن جهة أخرى، برزت الطائرات المسيرة كأداة "هجينة" تجمع بين القدرة الحركية والقدرة السيبرانية، تكمن الخطورة في قدرة هذه المسيرات على الاقتراب من المنشآت الحيوية وبث موجات تداخل أو تنفيذ هجمات "حقن البيانات" (Data Injection) دون الحاجة لاتصال بالإنترنت العالمي.
أولا: مفهوم المنظومة الاستخبارية الإلكترونية الهجينة
يُعرف التهديد الهجين في هذا السياق بأنه استخدام الطائرات بدون طيار كأداة لتنفيذ عمليات استخبارية أو تخريبية إلكترونية، تكمن الخطورة في قدرة هذه المسيرات على:
١. الاقتراب الميداني: تجاوز الحواجز المادية والوصول إلى المدى اللاسلكي لأنظمة التحكم الصناعي.
٢. التنصت اللاسلكي: اعتراض حزم البيانات المتبادلة بين أجهزة الاستشعار ووحدات التحكم.
٣. حقن البرمجيات الخبيثة: إرسال أوامر وهمية لأنظمة الـ SCADA عبر بروتوكولات لاسلكية، مما قد يؤدي إلى كوارث بيئية أو انقطاع تام في الخدمات.
كما تعتمد هذه الاستراتيجية على دمج ثلاثة مسارات استخبارية وتقنية ودفاعية في آن واحد، وكالتالي:
١. استخبارات الإشارات المتقدمة (Advanced SIGINT)
لا يقتصر دورها على رصد موجات الراديو فحسب، بل يمتد لتحليل البصمة الترددية لكل طائرة، في العراق، يجب نشر مجسات رصد ترددية حول مصافي النفط في البصرة ومحطات سد الموصل، لتمييز المسيرات المرخصة من المعادية بناءً على تحليل عميق لبروتوكولات الاتصال المشفرة.
٢. الدفاع السيبراني النشط (Proactive Cyber Defense)
تعتمد هذه الركيزة على مبدأ الصيد التهديدي (Threat Hunting)، فبدلاً من انتظار الهجوم، تقوم المنظومة بمحاكاة هجمات سيبرانية عبر المسيرات لاختبار ثغرات النظام، يتضمن ذلك استخدام الخداع الإلكتروني عبر نشر شبكات وهمية (Honeypots) لاسلكية تجذب المسيرة المعادية وتسمح للفريق الاستخباري باختراق برمجياتها والسيطرة عليها.
٣. التكامل الاستخباري (Intelligence Fusion)
ربط البيانات القادمة من الأقمار الصناعية، الرادارات الأرضية، والاستخبارات البشرية (HUMINT) في منصة واحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، هذا التكامل يسمح باتخاذ قرار في غضون ثوانٍ: هل يتم إسقاط الطائرة مادياً، أم يتم اختراق نظامها وتحويل مسارها؟.
ثانياً: ركائز الاستراتيجية المقترحة للعراق
١. الكشف المبكر والاندماج المعلوماتي (Data Fusion)
يجب أن تعتمد المنظومة على شبكة من الحساسات الأرضية (رادارات سلبية، كواشف ترددات) مرتبطة بمركز عمليات وطني، في العراق تتطلب هذه الخطوة تحديث البنية التحتية حول الحقول النفطية في البصرة ومحطات الطاقة المركزية، لضمان تبادل المعلومات لحظياً بين القوات الأمنية والفرق الفنية السيبرانية.
٢. الذكاء الاصطناعي في تحليل السلوك
نظراً لسرعة الهجمات المسيرة، لا يكفي الاعتماد على العنصر البشري فقط، تقترح الاستراتيجية توظيف خوارزميات التعلم الآلي (Machine Learning) للتنبؤ بمسار المسيرة وتحليل البصمة الإلكترونية الخاصة بها، مما يسمح بتمييز المسيرات الصديقة عن المعادية في بيئات معقدة.
٣. تأمين أنظمة التحكم الصناعي (SCADA Hardening)
تعد أنظمة الـ SCADA في العراق هدفاً ثميناً، الاستراتيجية الهجينة تفرض بناء درع سيبراني حول هذه الأنظمة لمنع أي محاولة اختراق عبر موجات الراديو التي تطلقها المسيرات المعادية، مع اعتماد بروتوكولات تشفير متقدمة وغير تقليدية.
ثالثاً: التحديات التطبيقية في السياق العراقي
تواجه هذه الاستراتيجية مجموعة من العقبات التي يجب معالجتها خلال الفترة القادمة:
١. التداخل الترددي: نتيجة الاكتظاظ في استخدام الترددات اللاسلكية في المدن العراقية.
٢. الحاجة للكوادر المتخصصة: ضرورة جسر الفجوة بين مهندسي الشبكات وخبراء الأمن الميداني.
٣. التشريعات القانونية: الحاجة لإطار قانوني ينظم استخدام تقنيات الاعتراض والتعطيل الإلكتروني للمسيرات بما لا يؤثر على الخصوصية أو السلامة العامة.
وبناءا على كل ما سبق، إن بناء منظومة استخبارية إلكترونية هجينة ليس مجرد ترف تقني، بل هو ضرورة لحماية السيادة الرقمية والمادية للعراق، إن الفترة المقبلة تمثل النافذة الزمنية المثالية للاستثمار في الدفاع الاستباقي بدلاً من رد الفعل، وبهذا يمكن ان نوصي بالآتي:
١. إنشاء مركز وطني متخصص لدمج استخبارات المسيرات مع الأمن السيبراني.
٢. التركيز على التصنيع المحلي أو التوطين التقني لأنظمة التشويش الذكي.
٣. تطوير مناورات سيبرانية- ميدانية تحاكي هجمات منسقة بالمسيرات على منشآت نفطية.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!