العراق والتصعيد الأمريكي– الإيراني: مقاربة في الصراع غير المتكافئ

العراق والتصعيد الأمريكي– الإيراني: مقاربة في الصراع غير المتكافئ
تمثل الأزمة الأمريكية– الإيرانية اليوم أنموذجا واضحا للتفاعل بين قوى عظمى وإقليمية في بيئة سياسية معقدة ومضطربة، إذ تتداخل العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية لتشكيل توازنات هشة تتأثر بأي تحرك مفاجئ...

وفي هذا السياق، يظهر العراق بوصفه رقعة جغرافية حساسة وحلقة وسطية بين محورين متصارعين: النفوذ الأمريكي المباشر، والنفوذ الإيراني غير المباشر عبر شبكات سياسية وأمنية واقتصادية متعددة. إن دراسة هذا الواقع تتطلب مقاربة تحليلية دقيقة، تعتمد على نظريات الصراع الدولي، وديناميات التوازن الإقليمي، وإستراتيجيات الصراع غير المتكافئ، ذلك لفهم سيناريوهات التصعيد المحتملة وآليات إدارة المخاطر.

 

أولا/ النهج الأمريكي: الضغط الأقصى والمخاطر الستراتيجية

اعتمدت الولايات المتحدة منذ بداية العقد الأخير سياسة الضغط الأقصى إزاء إيران، عبر أدوات اقتصادية، سياسية وعسكرية متمايزة، تشمل العقوبات المكثفة، السيطرة على الفضاء الدبلوماسي، والتهديد باستخدام القوة المباشرة أو غير المباشرة.

من منظور الواقعية السياسية، تهدف هذه السياسة إلى إعادة رسم موازين القوى الإقليمية وفرض شروط الإذعان على إيران، بيد أن هذا النهج يحمل مخاطر جسيمة:

1- سوء التقدير الإستراتيجي: إذ أن الإفراط في الضغط قد يدفع بصانع القرار الإيراني إلى خطوات انتقامية، أو إلى التصعيد عبر وكلائه، وهو ما يظهر جليا في تجارب الصراع بالوكالة في المنطقة.

2- تعقيد بيئة الفاعلين: حيث تتداخل مصالح الدول الإقليمية مثل العراق، سوريا ولبنان مع مصالح القوى الكبرى، ما يزيد من احتمالات الانزلاق خارج السيطرة.

3- التأثير غير المباشر على الدول الوسطية: فالعراق كمثال، يصبح ساحة اختبار لتوازنات القوى، مما قد يهدد استقراره الداخلي واستدامة مؤسساته السياسية والاقتصادية.

 

ثانيا: إيران واستراتيجية الصبر الاستراتيجي

تعكس السياسة الإيرانية أنموذجا فريدا للإدارة الإستراتيجية للصراع غير المتكافئ، إذ بدلا من المواجهة المباشرة، تعتمد طهران على ثلاثة أبعاد رئيسة:

-  الضغط غير المباشر عبر الوكلاء: دعم الحلفاء في محور المقاومة لخلق ميزان قوة موازن، دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.

-  المناورة الدبلوماسية والسياسية: استثمار القنوات الإقليمية والدولية لكسب الوقت وتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية.

-  الحفاظ على التماسك الداخلي: فبالرغم من العقوبات والعزلة، تسعى إيران لتعزيز استقرارها الداخلي عبر الشبكات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

هذه الاستراتيجية تتوافق مع مفهوم الصبر الاستراتيجي في الدراسات الإيرانية الحديثة، التي تشدد على أن الهدف الأساس ليس الانتصار العسكري المباشر، إنما إدارة الصراع ضمن هوامش محسوبة وتحويل الضغط إلى أداة تفاوضية طويلة المدى.

 

ثالثا: العراق كساحة اشتباك غير مباشر

العراق يمثل حالة نموذجية لدراسة تأثير الصراع بين القوى الكبرى على الدول الوسيطة، ذلك لأسباب عدة منها:

-  وجود مصالح أمريكية مباشرة، وكذلك القوات الأمريكية ومراكز النفوذ العسكري والسياسي، تجعل من العراق محورا لتوازن القوى.

-  النفوذ الإيراني الواسع، الشبكات السياسية والأمنية والاقتصادية تتيح لإيران ممارسة ضغطا استراتيجيا دون مواجهة مباشرة مع واشنطن.

إن هشاشة المؤسسات والقرار السياسي والانقسامات الطائفية والسياسية تجعل من الصعب على الحكومة فرض سيادة كاملة، ما يزيد من احتمالية أن يصبح العراق ساحة لتجربة إستراتيجيات الضغط بالوكالة.

 

رابعا: مشاهد التصعيد المحتملة

يمكن أن نرسم ثلاثة مشاهد رئيسة لمسار التصعيد الأمريكي– الإيراني وانعكاساته على العراق:

1- مشهد الاحتواء المحدود: وذلك عبر تصعيد سياسي وإعلامي مستمر مع تشديد العقوبات، دون الإنزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ويبقى العراق تحت ضغط أمني قابل للاحتواء.

2- مشهد الاشتباك غير المباشر: حيث التصعيد عبر الوكلاء والساحات الهشة، ويصبح العراق ميدانًا لتبادل الرسائل العسكرية غير المباشرة.

3- مشهد الانفجار الواسع: إنه المشهد الأخطر، وقد يكون الأقرب الآن في ظل التحشيد العسكري الأميركي الحالي، إذ قد تؤدي المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، إلى تهديد أمن العراق واستقراره.

 

خامسا: خيارات العراق الاستراتيجية

أمام هذه المشاهد المعقدة، يتعين على العراق اتخاذ قرارات دقيقة لتعزيز سيادته واستقرار الداخل عبر:

1-   تبني سياسة النأي بالنفس، وتفعيل الدبلوماسية الوقائية لتفادي الانزلاق في صراع بالوكالة.

2-   تعزيز الوحدة الوطنية بالحد من الانقسامات السياسية والطائفية التي تقلل قدرة الدولة على إدارة أزماتها.

3- إعادة تعريف الوجود للأجنبي بما يتوافق مع المصالح الوطنية العليا ويحد من تحويل العراق إلى ساحة لتجربة الصراعات الإقليمية.

 

الخاتمة

إن التصعيد الأمريكي– الإيراني ليس مجرد أزمة عابرة، بل تعبير عن صراع طويل الأمد على النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، فالعراق بحكم موقعه الإستراتيجي وتعقيداته الداخلية، يبقى الأكثر تأثرا والأقل قدرة على تحمل كلفة هذا الصراع. وبالتالي، فإن حماية العراق من تداعيات هذا التصعيد تتطلب رؤية وطنية جامعة، وإرادة سياسية رشيدة، وسياسات استباقية تحمي مصالح الدولة قبل أي حسابات لمحاور خارجية.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

د. عمار احمد المكَوطر

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!