وعلى الرغم من اعلان حكومة تصريف الاعمال في العراق الموافقة على نقل مئات من هؤلاء المعتقلين الى السجون العراقية، فإن هذه الخطوة تحمل في طياتها اعباء قانونية وامنية واقتصادية كبيرة، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار على جانبي الحدود.
تنبع المبررات العراقية للموافقة على استقبال هؤلاء، من احتمالات فرار المعتقلين او اطلاق سراحهم نتيجة توسع قوات النظام السوري شرق الفرات، وما قد يترتب على ذلك من انفلات امني او اعادة انتشار لعناصر التنظيم داخل العراق وخارج حدوده. رغم ان الحكومة العراقية ردت بمحاولة طمأنة الرأي العام عبر التأكيد على تأمين الحدود الممتدة لنحو 600 كيلومتر بأسوار خرسانية، اسلاك شائكة، وكاميرات حرارية، في محاولة لاحتواء اي تهديدات محتملة.
اضافة الى ذلك، تناولت تصريحات مسؤولين عراقيين، بما في ذلك رئيس جهاز المخابرات، زيادة اعداد عناصر تنظيم داعش الفاعلين في سوريا الى نحو عشرة آلاف مقاتل بعد انضمام مسلحين من جبهة النصرة وغاضبين من سياسات الحكومة السورية السابقة الى صفوف التنظيم، مقابل وجود اعداد اخرى داخل العراق، وقد شكل هذا التصريح، الذي نقلته صحف دولية، بيئة معلوماتية ادت الى تحويل القضية الى اجندة استراتيجية تتطلب معالجة فورية وتنسيقاً عالياً مع الشركاء الاقليميين والدوليين.
تزامن هذا السياق مع اعلان القيادة المركزية الأمريكية عن اتفاق امريكي–عراقي لنقل نحو 7 آلاف معتقل من جنسيات مختلفة من سجون شرق سوريا الى العراق بشكل مؤقت، وقد اثار تأخر الجانب العراقي في الاعلان عن تفاصيل هذا الاتفاق ارتباكاً لدى الجمهور، فيما طرح تساؤلات حول آليات التعامل القضائي والامني مع هؤلاء المعتقلين، رغم ان الحكومة العراقية التزمت بوضع معتقلي التنظيم في سجون عراقية بعيدة عن المدن، والبدء بمحاكمتهم قضائياً، مع اطلاق دعوة الى دول العالم لتحمل مسؤولية رعاياها من هؤلاء، وان العراق لن يكون سجناً مفتوحاً لهم.
هذه التداعيات ترتبط وتتداخل مع الوضع الامني المرتبك في سوريا بعد الاشتباك بين قوات النظام السوري مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وماله من انعكاسات على المعتقلين من التنظيم فضلاً عن التأثير على الوضع الكردي في اقليم كردستان، ولهذا تبرز عدة تحديات وانعكاسات لهذه التداعيات على الواقع العراقي ابرزها:
1- الابعاد القانونية والسيادية:
تمثل قضية احتجاز ومحاكمة عناصر التنظيم ذوي الجنسيات المتعددة تحدياً قانونياً معقداً، إذ تستلزم الولاية القضائية العراقية على جرائم ارتكبت في دولة أخرى جمع ادلة واثبات التهم ضمن أطر قانونية سليمة، مع ما يرافق ذلك من صعوبات في توثيق هذه الادلة وشهادات الشهود، وهذا يستلزم وقت، ومع امكانية تدويل قضايا هؤلاء، وخضوع الاجراءات القضائية لمتابعة الراي العام العالمي، ومنظمات حقوق الانسان والمتعاطفين مع التنظيم، سيشكل ضغوطات سيادية في هذا الجانب ويؤخر من حسم الاحكام ويعرضها للطعن وعدم المصداقية، في حال تنفيذها.
2- الضغوط على النظام العدلي والسجون:
يعاني العراق أساساً من اكتظاظ شديد في السجون التي تضم آلافاً من المدانين والمتهمين بقضايا إرهابية وجنائية، وقد اصدر مجلس القضاء الاعلى مؤخراً قرارات تهدف الى تخفيف هذا الاكتظاظ في نهاية العام 2025، واضافة معتقلين جدد يزيد من العبء على المرافق الاصلاحية ويستلزم موارد اضافية لمراقبتهم وتأمينهم، خاصة ان العراق يمر بأزمة اقتصادية حالياً وضغوطات احتجاجية نتيجة الاجراءات التقشفية المتخذة مؤخراً، ويشكل هذا الخيار ضغطاً مالياً اضافياً سيكون له تداعيات اجتماعية، خاصة مع رفض المجتمع الدولي تحمل هذا العبء او الاسهام في تخفيفه عن العراق في الوقت الحاضر.
3- العلاقات الدبلوماسية ومسألة إعادة المعتقلين الى بلدانهم:
ترفض معظم الدول الأوروبية، التي ينتمي اليها عدد كبير من المعتقلين، استلام رعاياها منذ سنوات، بحجة تعقيدات قانونية وامنية في محاكمتهم داخل بلدانهم، وقد دعا رئيس الوزراء العراقي دول العالم الى تحمل مسؤولياتها في استلام مواطنيها من عناصر التنظيم، ما يعكس غياب استراتيجية دبلوماسية واضحة للتعامل مع هذا الملف العالق، ما سيضع على عاتق العراق ضغط دبلوماسي في هذا الجانب، سيعمل على تعقيد طبيعة العلاقات الخارجية للعراق في حال اتخذ مسارات قانونية لمحاكمة هؤلاء وفقاً للولاية القضائية العراقية التي تذهب الى تطبيق عقوبة الاعدام في حال ثبوت الادانة على هؤلاء، او حتى في حال استطالة بقاءهم في السجون العراقية، لا توجد ضمانات لمعاملة هؤلاء وفقاً للمعايير التي تريد ان يتم التعامل بها معهم من قبل العراق، حسب ما ترتأيه هذه الدول.
4- التهديدات الامنية الداخلية:
يمثل استقبال قيادات داعش الاكثر تطرفاً خطراً حقيقياً على الامن الداخلي العراقي، بالنظر الى التاريخ الطويل لعنف الجماعة وقدرتها على بناء شبكات ارتباط داخل البيئة العراقية، ولا سيما داخل السجون، حيث تسببت عمليات فرار سابقة في اندلاع ازمات كبيرة، كما حدث في عام 2014، ومن المعروف ان هذه الجماعات تستفيد من مناخ عدم الاستقرار في تنفيذ عمليات الهروب والتموضع والتشكل بسرعة، كما حصل سابقاً، فأرشيف هذه الجماعات المتطرفة يشير الى انها تمتلك قدرة في بناء شبكة علاقات ونشر افكارها داخل المعتقلات العراقية وخارجها ولديها قدرة على التجنيد، ونحن نعلم ان بدايات التنظيم الاولى بُنيت في العراق عام 2014 من خلال هروب المئات من عناصر سجناء التنظيم، والعراق يمر الان بوضع سياسي واقتصادي مضطرب، فتأثيرات الاضطراب السياسي تتزامن مع مرحلة انتقالية سياسية في العراق، حيث تواصل الحكومة الحالية العمل بتسيير الاعمال اليومية في ظل تأخر تشكيل حكومة جديدة كاملة الصلاحيات، ويزيد هذا الوضع من صعوبة اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة تتعلق بالامن الوطني والعلاقات الثنائية مع دمشق، اضافة الى تصاعد التداعيات الاقليمية والتحشيد الاميريكي في المنطقة، وخطورة الوضع السياسي والامني في ايران وسوريا، ما يعني ان مخاطر هروب هؤلاء تبدو ماثلة وغير مستبعدة، ما يشكل خطر حقيقي على الامن الداخلي العراقي.
في ضوء ذلك تبرز امام الحكومة العراقية مسارين اساسيين لابد من انتهاجهما لمواجهة تداعيات وتحديات هذه المعطيات الواقعية:
المسار الاول: الحل الامني
يمثل هذا المسار تعزيز البعد الامني عبر زيادة التواجد العسكري على الحدود العراقية–السورية، بما يشمل وحدات من الجيش، الاجهزة الامنية، وفصائل الحشد الشعبي. ورغم ان هذا الخيار يُنظر اليه كضرورة في مرحلة ما، الا انه يحمل مخاطر تفاقم الاحتكاكات بين الفصائل المختلفة على جانبي الحدود، خاصة في المناطق المختلطة ديموغرافياً، فضلاً عن ذلك، فان دعم بعض التشكيلات او الجماعات مثل (قسد) مالياً او عسكرياً قد يُسهم في توسيع الفوضى بدلاً من احتوائها، وقد يفتح المجال لتدخلات خارجية، لا سيما من تركيا، التي تمتلك اجندات ميدانية في شمال سوريا ضد حزب العمال الكردستاني.
المسار الثاني: الحل السياسي
يتطلب هذا المسار فتح قنوات سياسية ودبلوماسية مباشرة بين العراق وسوريا لتنسيق ترتيبات امنية وقانونية مشتركة، تشمل تأمين الحدود، وتبادل المعلومات، ومعالجة ملف المعتقلين بطريقة تحفظ مصالح البلدين وتحقق نوعاً من الاستقرار الاقليمي. ويتطلب الحل السياسي وجود حكومة عراقية كاملة الصلاحيات وقادرة على صياغة استراتيجية واضحة تعزل الملفات الثنائية عن الضغوط الاقليمية، خصوصاً تلك المرتبطة بعلاقات العراق مع ايران والولايات المتحدة.
ختاماً، إذا ما نجحت بغداد في فصل استجابتها للتطورات السورية عن التأثيرات الاقليمية، واعتمدت على المصلحة الوطنية كخط اساس في رسم سياساتها، فيمكن تقليل المخاطر المحتملة وربط معالجة ملف السجناء بتعاون اقليمي ودولي موسع، اما إذا ظل الخيار الامني هو المهيمن، او إذا تكيفت السياسات العراقية مع اولويات اطراف خارجية بدلاً من اولويات الامن والاستقرار الوطني، فأن العراق قد يجد نفسه امام ازمات معقدة ومطولة ترتبط مباشرة بملف تنظيم داعش، تتمثل بالحدود المفتوحة، والتوترات السياسية الداخلية، التي تفضي الى مشاهد لا يمكن مواجهتها بسهولة دون دفع اثمان مكلفة ومضاعفة.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!