فالعقوبات الدولية على ايران لم تخلق الأزمة، لكنها عمقتها، وكشفت هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي قام عليه النظام السياسي منذ سنوات طويلة.
التحول الأخطر في هذه الاحتجاجات لا يكمن في انتشارها الجغرافي أو اتساع قاعدتها الاجتماعية، بل في تحول وعيها السياسي، إذ بات جزء معتبر من الشارع الإيراني يربط بين معاناته اليومية وبين خيارات الدولة وتوجهاتها، لا سيما في الإنفاق على البرنامج النووي، وتطوير القدرات الصاروخية، فضلاً عن كلفة التدخلات الإقليمية.
هذا الربط يمس جوهر الخطاب الرسمي الذي طالما قدم هذه الملفات باعتبارها مصادر قوة وحماية، لا عبئاً اقتصادياً. ومع تزايد هذا الوعي السياسي الاحتجاجي، تصبح المواجهة المباشرة بالقوة وحدها غير كافية لإعادة إنتاج الاستقرار، فيما تصبح أي تنازلات خارجية محفوفة بمخاطر داخلية، من الممكن ان تخضع النظام وتطوعه.
وهنا تكمن اشكالية قدرة النظام الايراني على استيعاب المطالب ومواجهة الضغوطات الخارجية التي تقودها واشنطن بشكل مباشر، فالنظام الايراني لا يستطيع ان يحقق مطالب المحتجين التي تدرجت من مطالب اقتصادية الى مطالب تتعلق بأزمة الشرعية السياسية للنظام، وكذلك لا يمتلك خيارات مرنة للتعاطي مع العقوبات والضغوطات الامريكية التي تقتضي ان يقدم تنازلات مباشرة في المفاوضات من جهة، وطريقة الحكم داخلياً من جهة اخرى.
تكاد تكون الخيارات الايرانية في التعاطي مع ازمة الاحتجاجات محدودة وغير قادرة على ضبط ايقاع الشارع لارتباطها بالمعطيات الخارجية وخاصة تدخل الولايات المتحدة على الخط بشكل مباشر.
وفي ضوء تهديد الرئيس دونالد ترامب للنظام في ايران بتدخله في حال استخدام القوة لقمع المحتجين، تطرح واشنطن خيارات اخرى للنظام، اذ تحمل زيارة وزير الخارجية العُماني إلى طهران رسالة أميركية استثنائية في توقيتها ومضمونها، وتأتي في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات ضاغطة على إيران:
١- ضغط داخلي متصاعد بفعل الاحتجاجات.
٢- ضغط اقتصادي خانق بفعل العقوبات.
٣- ضغط سياسي إقليمي ودولي تسعى واشنطن إلى تحويله إلى لحظة كسر توازن يضعف هامش مناورة طهران في التعامل معه.
في مثل هذه اللحظات، لا تتحرك الدول التي لديها هامش خيارات اوسع بدافع البحث عن حلول وسط او تراجعات او مماطلة، بل بدافع فرض الشروط. وهذا ما يفسر مقاربة إدارة ترامب، التي ترى أن اللحظة الحالية هي الأنسب لإعادة طرح الشروط الأميركية دفعة واحدة، لا كأرضية تفاوض، بل كخيار ثنائي: القبول أو الرفض، والتصرف وفقاً لما تراه ايران.
اذ تنظر إدارة ترامب إلى الاحتجاجات الإيرانية من زاوية استراتيجية بحتة، فهي لا تسعى إلى إسقاط النظام بشكل مباشر في الوقت الحاضر، ولا تعول بالضرورة على انتفاضة شعبية شاملة، لكنها ترى أن إضعاف النظام من الداخل يفتح نافذة لإعادة هندسة العلاقة معه بشروط أميركية كاملة، تُرضخ طهران تدريجياً لاستيعاب المصالح الامريكية وبذات الوقت تغيير قواعد سلوكها الاقليمي، فضلاً عن تغيير قواعد الحكم الداخلي.
من هذا المنطلق، فإن العرض الأميركي الذي نُقل عبر الوسيط العُماني لا يهدف إلى إنقاذ الاقتصاد الإيراني، أو تهدئة الشارع الإيراني؛ بل يهدف إلى إعادة تعريف سلوك إيران الإقليمي والدولي، مستنداً إلى اعتقاد راسخ في واشنطن بأن طهران باتت أقل قدرة على تحمل الضغوط المتراكمة.
وتُظهر صيغة العرض الأميركي أن واشنطن لا ترغب في العودة إلى نموذج الاتفاق النووي السابق، بل في فرض اتفاق أشمل، يعالج الملفات الثلاثة بوصفها حزمة واحدة غير قابلة للتجزئة.
اذ من غير المرجح أن تتراجع واشنطن عن نهجها الحالي في المدى المنظور، فهي ترى أن أي تراجع الآن سيُفسَّر كإخفاق سياسي داخلي، خصوصاً في ظل حسابات السياسة الأميركية، لكن في المقابل، لا يبدو أن واشنطن تسعى إلى حرب شاملة، بل إلى إعادة ضبط السلوك الإيراني بأدوات الضغط المركب.
اما الخيارات الايرانية، فطهران في ظل ازمة الاحتجاجات والمطالب والضغوط الامريكية وتداعيات الوضع الاقليمي، تقف الان في منطقة رمادية، اذ تدرك القيادة الإيرانية أن الخيارات المتاحة أمامها جميعها مكلفة، فالقبول بالشروط الأميركية سيُنظر إليه داخلياً كتنازل استراتيجي يمس ركائز النظام، فيما الرفض الصريح يفتح الباب أمام تصعيد اقتصادي وربما أمني يزيد من هشاشة الداخل؛ لذلك، فإن الاستراتيجية الإيرانية المرجّحة هي البقاء في المنطقة الرمادية، وهي لا تتعدى التعامل وفقاً للخيارات الاتية:
1- ستعلن ايران عدم القبول بالشروط وعدم الرضوخ لسياسات الضغوط القصوى التي تفوضها واشنطن والمجتمع الدولي، وتذهب لخيار الرد بالردع واستخدام كافة الوسائل التي تمتلكها في المنطقة لإعادة التوازن المنتج مع واشنطن وتل ابيب.
2- لن ترفض الشروط الامريكية بالكامل ضمن القنوات الخلفية للمفاوضات وتحاول ان تبقي مساحة للتفاهم المرن لكنها سترفضها علناً.
3- اقتراح ايراني للتفاوض والتدرج، خطوة مقابل خطوة من خلال التعامل مع الترويكا الاوربية، واعطاء اشارات ايجابية للتفاهم مع واشنطن، معززة ذلك بتحييد سلوكها ونفوذها الاقليمي.
هذه المقاربة تهدف إلى كسب الوقت، وامتصاص الاحتجاجات، وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية، بانتظار تغير في المعطيات الدولية أو السياسية داخل الولايات المتحدة، غير أن هذه الاستراتيجية، التي نجحت نسبياً في مراحل سابقة، تواجه اليوم تحدياً غير مسبوق، يتمثل في أن واشنطن لا تريد الوقت، بل تريد حسم موقفها: اما بتطويع ايران، او اسقاط النظام السياسي من خلال تدخل عسكري، او دعم الاحتجاجات بشكل مباشر.
وهذا ما تمثله الوساطة العُمانية حاليا، رغم ان اي وساطة في ظل هذه الظروف لا تتعدى مسار إدارة الخطر لا حل الأزمة، فسلطنة عُمان تؤدي دور (قناة الطوارئ) بين واشنطن وطهران، غير أن هامش هذا الدور بات أضيق من أي وقت مضى، فالمسألة لم تعد تتعلق بتقريب وجهات النظر، بل بإبلاغ شروط نهائية ومحاولة منع الانزلاق السريع نحو التصعيد.
الوساطة هنا ليست مدخلاً لاتفاق، بل آلية لتأجيل الصدام، أو على الأقل لإدارته بشكل مؤقت، وهذا يفسر اللغة الحذرة التي تحيط بالزيارة، والتكتم على تفاصيل الرسالة، في ظل إدراك الجميع أن الفشل قد تكون كلفته عالية إقليمياً.
وفق هذه الخيارات الايرانية والامريكية والمعطيات الحالية في ظل الاحتجاجات والتحول في المقاربة الامريكية للتدخل وفرض الامر الواقع وتحقيق المصالح، فأن السيناريوهات المحتملة تتمحور بالاتي:
السيناريو الأول: تهدئة محدودة وتنازلات غير معلنة
في هذا السيناريو، توافق إيران على خطوات جزئية وغير معلنة، مثل تجميد بعض الأنشطة النووية الحساسة، وضبط إيقاع البرنامج الصاروخي دون التخلي عنه، مع تخفيض مستوى الانخراط الإقليمي إعلامياً وعملياً.
في المقابل، تمنح واشنطن تخفيفاً محدوداً للعقوبات، يسمح لطهران بالتقاط أنفاسها واحتواء الاحتجاجات، هذا السيناريو لا يمثل حلاً جذرياً، لكنه يوفر هدنة براغماتية مؤقتة، وهذا الخيار مرجح نسبياً؛ لأنه يلبي حاجة الطرفين لتجنب الانفجار دون تقديم تنازلات معلنة.
السيناريو الثاني: تصعيد تدريجي دون حرب مباشرة
في حال فشل الوساطة، قد تتجه واشنطن إلى تشديد العقوبات، وتوسيع الضغط في الساحات الإقليمية، وربما تنفيذ ضربات محدودة أو عمليات ردع غير مباشرة، مع دعم الاحتجاجات وتحريك الرأي العام الايراني باتجاه الضغط على النظام الإيراني، في المقابل، ستلجأ إلى تصعيد محسوب عبر وكلائها، ورفع منسوب التوتر دون تجاوز الخطوط الحمراء.
هذا السيناريو يُبقي المنطقة في حالة توتر مزمن، دون انزلاق إلى حرب مباشرة قد تكون شاملة، هذا المشهد محتمل جدا ترجيحه: في حال تمسّك واشنطن برفض أي تفاوض.
السيناريو الثالث: انفجار داخلي متزامن مع ضغط خارجي
هذا السيناريو الأخطر، حيث يتزامن تصعيد أميركي قوي مع اتساع الاحتجاجات الداخلية، ما يضع النظام الإيراني أمام أزمة مزدوجة، في هذا السياق، قد يضطر النظام إلى تشديد القبضة الأمنية داخلياً، أو تقديم تنازلات خارجية مؤلمة، وترجيح هذا السيناريو منخفض قليلاً، لكنه يظل وارداً إذا أخطأ أحد الطرفين في تقدير قدرة الآخر على التحمل.
اخيراً نستنتج ان إيران تقف اليوم أمام لحظة مفصلية، حيث لم يعد بالإمكان الفصل بين الداخل والخارج، فالاحتجاجات ليست مجرد عامل ضغط عابر، بل نقطة تقاطع بين الداخل المنهك والخارج المتحفز، والخيارات الأميركية ليست مجرد مبادرة دبلوماسية او ضغوطات قصوى كالسابق، فواشنطن كشفت عن حدود الدبلوماسية وتريد تحويل الشروط إلى أوامر، والوساطات إلى عد تنازلي، فإما هدنة هشة تُدار بعناية وهذا احتمال وارد الان ولو بدرجة ضعيفة، أو تصعيد متدرج يراكم المخاطر ويعصف بطهران وهذا احتمال مرتفع التحقق، وفي كلتا الحالتين، يبدو أن مرحلة إدارة الأزمة تقترب من نهايتها، لتدخل إيران وواشنطن معاً ربما مرحلة حسم الصراع.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!