المشهد الراهن يعكس هذا النمط بوضوح: تصعيد لفظي، تحركات مدروسة، رسائل ردع متبادلة، يقابلها غياب قرار بالمواجهة الشاملة، والمنطقة تعيش حالة توتر مزمن مضبوط الايقاع، لكن لا اندفاع مؤكد نحو حرب مفتوحة.
لقاء نتنياهو وترامب الاخير في واشنطن جاء في هذا السياق، الخطاب العلني شدد على التزام واشنطن بأمن اسرائيل ومنع ايران من بلوغ قدرات عسكرية نووية، مع تكرار ان الخيارات كافة مطروحة، لكن خلف هذه اللغة الحازمة برز تركيز واضح على تعزيز التنسيق الاستخباري، وتشديد الضغوط الاقتصادية، وابقاء مسار الاتصالات غير المباشرة قائما، رغم رغبة تل ابيب بشن حرب ضد طهران بأسرع وقت، لكن لم تصدر اشارات عملية الى حشد استثنائي او قرار بضربة وشيكة، بل الى رفع مستوى الردع وتحسين شروط التفاوض، مع ذلك هذا التمايز بين النبرة المرتفعة والسلوك العملي يعكس ادراكاً بأن اي تصعيد واسع قد يتدحرج خارج السيطرة في اي لحظة.
في المقابل، حملت الجولة الاولى من المفاوضات التي عقدت في مسقط قبل ايام دلالات لافتة، مجرد انعقادها في هذا التوقيت، رغم التصعيد الاعلامي، يوحي بأن قنوات الاتصال لم تغلق، اختيار مسقط يعيد التذكير بدور عمان التقليدي كوسيط هادئ قادر على توفير مساحة آمنة للحوار، الحيثيات التفاوضية اشارت الى نقاشات تقنية حول مستويات التخصيب، وآليات الرقابة، وتدرج رفع بعض القيود الاقتصادية، توحي بأن الطرفين يختبران امكانية بناء تفاهم مرحلي لا اتفاقا شاملا، لم يعلن عن اختراق كبير، لكن غياب الانسحاب او تبادل الاتهامات الحادة بعد الجولة الاولى يعطي انطباعا بأن هناك استعدادا لإدارة الخلاف لا تفجيره.
هذا التوازي بين لقاء سياسي عالي السقف في واشنطن وجولة تفاوضية هادئة في مسقط يكشف طبيعة المرحلة: ضغط علني يقابله حوار غير مباشر.
الادارة الاميركية بقيادة ترامب تميل الى الجمع بين العصا الاقتصادية والاشارات العسكرية من جهة، وفتح باب التفاهم المشروط من جهة اخرى، فلسفة القوة هنا تقوم على تحقيق مكاسب واضحة من دون الانجرار الى حرب طويلة، ما يقيد القرار العسكري ليس نقص القدرة، بل غياب الضمان بأن المواجهة ستبقى محدودة زمنيا وسياسيا.
ايران بدورها تتحرك وفق حسابات دقيقة، وجود ضغوط اقتصادية داخلية قوية، وحاجة النظام الى ضبط التوازن الاجتماعي، تجعل خيار الحرب الواسعة مغامرة غير مضمونة؛ لذلك تعتمد طهران استراتيجية التصعيد المحسوب: رفع مستوى التخصيب او توسيع النشاط الاقليمي ضمن هوامش مدروسة، بالتوازي مع ارسال اشارات استعداد للحوار عبر وسطاء، مفاوضات مسقط تشير الى ان القيادة الايرانية لا تغلق الباب امام تفاهم يخفف الضغط، شرط ان يحفظ ماء الوجه ويمنحها مكاسب ملموسة.
في ضوء ذلك يمكن استشراف المسارات المستقبلية للمفاوضات والتي تقتضي تحليل فرضيات تأكيد كل مسار او تراجعه في ضوء هذه المعطيات:
المسار الاول: استمرار التوتر المنضبط مع تقدم بطيء في التفاوض، فرضية تأكيد هذا المسار، تتعزز اذا استمرت جولات مسقط او ما يشبهها من دون انهيار، واذا حافظت واشنطن على سياسة الضغط الاقتصادي مع تجنب خطوات عسكرية مباشرة، واذا واصلت طهران ضبط اي رد عبر حلفائها ضمن حدود لا تستفز ردا واسعا، المؤشرات الداعمة له تشمل استمرار الوساطة العمانية، صدور تصريحات تترك هامشا للحل الدبلوماسي، وعدم تسجيل حوادث عسكرية كبيرة في المنطقة سواء في الخليج او في ساحات اخرى، في هذا السيناريو تتكرس معادلة ردع متبادل، مع احتمال التوصل الى تفاهم مرحلي يجمد بعض عناصر الازمة من دون حل جذري.
المسار الثاني: يتمثل في تصعيد محدود يعقبه احتواء سريع، هذا الاحتمال يتعزز اذا فشلت جولة تفاوضية لاحقة في مسقط او اُلغيت، او اذا سعت احد الاطراف الى تحسين موقعها التفاوضي عبر ضربة موضعية او عملية غير مباشرة، قد يشمل ذلك استهدافا محدودا لمنشاة او موقع عسكري، او تصعيدا عبر وكلاء اقليميين، يتبعه تدخل دبلوماسي عاجل لمنع التوسع، فرضية تأكيد هذا المسار تتعزز في حال تصاعد الضغوط الداخلية على اي من القيادات المعنية، او اذا شعر طرف بان الردع تآكل ويحتاج الى اعادة ترميم، غير ان نجاح الاحتواء سيعتمد على بقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وهو ما تشير مفاوضات مسقط الى انه ما زال متاحا.
المسار الثالث: الانزلاق الى مواجهة واسعة نتيجة خطا في الحسابات او تغيّر جذري في المعطيات، هذا الاحتمال يظل الاقل ترجيحا في المدى القريب، لكنه غير مستبعد، تتعزز فرضيته، اذا انهارت المفاوضات تماما، واذا ترافق ذلك مع حادثة عسكرية كبيرة توقع خسائر بشرية واسعة، او مع قرار سياسي داخلي لدى احد الاطراف باستخدام القوة لتحقيق مكسب استراتيجي سريع، في هذه الحالة قد تتدحرج الاحداث بوتيرة اسرع من قدرة الوسطاء على التدخل، لكن حتى الان، يبقى عامل الكلفة حاضرا بقوة، اذ يدرك الجميع ان حربا مفتوحة ستضرب اسواق الطاقة والممرات البحرية وثقة المستثمرين، وتمتد آثارها الى الاقتصاد العالمي.
دول الخليج والمنطقة اقليمياً تراقب هذه المسارات بعين القلق والتحسب، اولوياتها التنموية تجعلها تميل الى دعم اي مسار تفاوضي يخفف التوتر؛ من هذا المنظور، تشكل مسقط منصة ضرورية لاختبار النيات، استمرار هذا المسار يمنح العواصم الاقليمية هامشاً للتخطيط والاستثمار، بينما انهياره يعيد المنطقة الى منطق الطوارئ والخطر المؤكد.
خلاصة المشهد ان المنطقة ليست على حافة حرب مؤكدة، بل داخل مرحلة ادارة ازمة مركبة، اذ ما يقيد القرار باستخدام القوة ليس غياب الرغبة في اظهار الصلابة، بل الخشية من ان تتدحرج المواجهة الى صراع مفتوح يستنزف الموارد ويخلق ازمات يصعب تسويقها للرأي العام لِكلا طرفي التفاوض. لقاء نتنياهو وترامب عزز الردع ورفع السقف السياسي، فيما مفاوضات مسقط اوحت بان باب التفاهم لم يغلق، وبين الضغط والحوار يتحدد المسار المقبل. الاحتمال الراجح هو استمرار التوازن الهش مع تقدم بطيء في الاتصالات، لكن بقاء هذا التوازن مشروط بقدرة الاطراف على تجنب خطا صغير قد يقلب المعادلة.
في النهاية، ما يحكم المرحلة هو ادراك مشترك بان كلفة الانفجار اكبر من مكاسب التصعيد، هذا الادراك لا يصنع سلاما دائما، لكنه يؤجل الحرب ويمنح الدبلوماسية فرصة، المستقبل القريب سيعتمد على ما اذا كانت جولات مسقط او غيرها ستتحول الى مسار تفاوضي مستقر، ام ستبقى مجرد محطة عابرة في سياق شراء الوقت لتأجيل حرب مفتوحة مؤكدة تحصل فيها متغيرات واضحة.
منطقة الشرق الاوسط وخاصة الخليج في ضوء الازمة الايرانية تعيش حالة توازن دقيق بين التهديد والتفاوض، اذ لا سلام نهائي في الافق، ولا حرب شاملة على الابواب، بل دخلت في مرحلة انتقالية تعكس تحولاً في منطق السياسة الاقليمية: من اندفاع نحو الحسم السريع الى حسابات اكثر براغماتية للكلفة والنتائج، وهذا ما ترتكز عليه المقاربة الامريكية تجاه ايران حالياً؛ ما يعني ان الحديث عن الحرب سيبقى حاضرا في الخطاب، لكن القرار الفعلي سيظل مرهوناً بمعادلة الكُلف المتبادلة التي يدركها الجميع، لهذا حبذت ادارة ترامب المفاوضات الدبلوماسية المبنية على الاكراه باعتبارها امتداد للصراع بوسائل غير عسكرية، في حين ايران تعرف جيداً ان طبيعية هذه المفاوضات لا تجري في ظروف ومعطيات متكافئة؛ فهي قبلت بالذهاب الى طاولة المفاوضات وهي محاطة بعقوبات صارمة، وتحت تهديد عسكري، فيما تمتلك واشنطن فائض قوة يسمح لها بفرض شروطها. ويفترض المنطق السائد في العلاقات الدولية ان الطرف الواقع تحت الضغط والتهديد، لا يملك سوى قبول الشروط والترتيبات المعروضة عليه، لكن الواقع كشف لنا ان قبول تفاوض الطرف الاضعف لا يعني بالضرورة انكساراً مطلقاً، بل يمكن ان يتطور المسار التفاوضي بشكل افضل لصالحه، بحيث يمنحه قدرة على التأثير والمناورة في شكل وتفاصيل الاتفاق او التسوية، او يحوله من كونه طرف خاضع للعقوبات المؤدية لتغييره ليكون بقاؤه ضرورة استراتيجية للتوازن وتحقيق المصالح بين القوى المتنافسة، وهذا ما يحصل الان مع ايران.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!