يواجه العراق المعاصر حالة مركبة من الاضطراب السياسي والتشظي الاجتماعي التي ألقت بظلالها على بنية الدولة وعلاقتها بالمجتمع، ورغم التحولات المؤسسية ما بعد عام 2003، لا تزال الأسئلة الجوهرية حول الشرعية والعدالة والمسؤولية السياسية معلقة دون إجابات ناجزة، وفي خضم هذا الارتباك، يبرز الإرث العلوي ليس كذكرى تاريخية عابرة، بل كمنظومة مفاهيمية متكاملة في إدارة السلطة وبناء العلاقة الأخلاقية بين الحاكم والمحكوم، غير أن المفارقة الصادمة تكمن في حالة (الانشطار القيمي) التي يعيشها العقل السياسي العراقي؛ فهو في الوقت الذي يتشبث فيه بشرعية هذا الإرث المثالي شكليا، يغرق في ممارسات براغماتية مشوهة وإشكاليات بنيوية تبتعد جوهريا عن روح العدالة العلوية.
من هنا، تحاول الورقة البحثية مقاربة الفكر السياسي العراقي من زاوية نقدية، عبر وضعه في حوارٍ مع التراث العلوي، للكشف عن طبيعة الإشكاليات البنيوية التي يعاني منها النظام السياسي المعاصر، ومدى ابتعاده عن منظومة القيم السياسية التي مثّلها نهج الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
أهداف البحث
تهدف هذه الورقة إلى:
- تحليل ملامح الفكر السياسي في نهج الإمام علي (عليه السلام) بوصفه مشروع حكم متكامل.
- تشخيص الإشكاليات البنيوية للنظام السياسي العراقي المعاصر.
- مقارنة نقدية بين القيم السياسية العلوية والممارسة السياسية الراهنة.
- فتح أفق نقاش فكري حول إمكانية استلهام التراث العلوي بعيدًا عن التوظيف الأيديولوجي، وتقديم رؤية توضيحية لبناء دولة المواطنة تحت ظلال العدالة الاجتماعية.
المحور الأول: ملامح الفلسفة السياسية في الإرث العلوي
ينبثق الفكر السياسي في المنظومة العلوية من رؤيةٍ أخلاقيةٍ صلبة، تتجاوز المفهوم التقليدي للسلطة بوصفها أداة هيمنة، لتجعل منها وسيلةً لإحقاق الحقوق، ويمكن حصر ملامح هذا النموذج في ثلاثة مرتكزات بنيوية:
أولا: أنسنة السلطة وتفكيك مفهوم الغنيمة/ السلطة في العرف العلوي ليست تشريفا أو مغنما، بل هي ابتلاء ومسؤولية قانونية وأخلاقية معلقة في عنق الحاكم بوصفها أمانة، هنا تتحول الوظيفة العامة من أداة للتكسب الحزبي أو الشخصي إلى عبء أخلاقي يستوجب رقابة الذات قبل رقابة القانون، وهي أعلى درجات النزاهة المؤسساتية.
ثانيا: التأسيس المبكر للمواطنة والعدالة الاجتماعية/ لقد سبق الفكر العلوي مفاهيم حقوق الإنسان الحديثة بقرون من خلال القاعدة الذهبية التي أرسى دعائمها في عهده لمالك الأشتر: (إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق). هذا التوصيف يلغي مفهوم الرعية المذعنة لصالح المواطنة الإنسانية، حيث تبنى العلاقة مع الدولة على أساس الاستحقاق والكرامة البشرية، لا على أساس الانتماء المذهبي أو العشائري، وتكتمل هذه الصورة بانحيازٍ طبقيٍ واضح لنصرة العامة بوصفهم عماد الدولة، ورفض استئثار الخاصة بمواردها.
ثالثا: الاقتصاد السياسي وعمارة الأرض/ في فلسفة الإمام علي (عليه السلام)، لا يمكن فصل الاستقرار السياسي عن العدالة الاقتصادية، فهو يطرح رؤيةً سابقةً لعصرها في إدارة المال العام، تقوم على أولوية العمارة على الجباية، إيماناً بأن الدولة تنهار بفقر أهلها، وأن فقر الشعوب هو النتيجة الحتمية لـ(الفساد المالي). وبذلك، تصبح الشفافية والمكاشفة (وان ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك) هي الضمانة الوحيدة لمنع الاستبداد وردم الفجوة بين السلطة والمجتمع.
المحور الثاني: تشريح النظام العراقي المعاصر
عند إسقاط المبادئ العلوية على واقع النظام السياسي في العراق ما بعد 2003، نجد أنفسنا أمام مفارقات حادة وتناقضات بنيوية حولت الدولة من خادمة للمجتمع إلى ساحة للمغانم، وتتجلى هذه الإشكاليات في ثلاثة مآزق كبرى:
1. بنية المحاصصة وتفتيت الدولة: بينما يشدد الإرث العلوي على الكفاءة والصدق في القول والعمل كمعيار وحيد للاستوزار (ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك)، اعتمد النظام المعاصر ديمقراطية المكونات، هذا الانحراف حوّل الدولة من دولة المواطن إلى دولة المكونات، حيث توزع المناصب كإقطاعيات حزبية بناءً على الولاء لا الكفاءة، مما أدى إلى غياب المصلحة الوطنية العليا وتفكيك مفهوم الدولة المركزية لصالح وحدات ادارية سياسية تتصارع على الموارد.
2. الدولة الريعية والفساد الهيكلي: ثمة تناقض جوهري بين عدالة التوزيع العلوية وبين الزبائنية السياسية المعاصرة، فبينما كان بيت المال يُدار بمعيار المساواة المطلقة، يعتمد النظام الحالي على توزيع ريع النفط لشراء الولاءات وتثبيت نفوذ النخب، إن تحول السلطة من وسيلة لإقامة الحق إلى غاية لجمع الثروات خلق فساداً هيكلياً جعل من الدولة راعيةً لمصالح الطبقة السياسية، بدلاً من أن تكون الطبقة السياسية خادمةً للرعية.
3. الانفصال السيكولوجي والطبقي: في العهد العلوي، كان الحاكم يسعى للتماهي مع أفقر رعيته في المأكل والملبس لكسر الحاجز بين السلطة والمجتمع. أما اليوم، فيعيش الفاعل السياسي في قلاع معزولة (كالمنطقة الخضراء)، مما خلق فجوة سيكولوجية وطبقية هائلة بين الحاكم والمحكوم. هذا الانفصال أدى إلى أزمة شرعية حقيقية، حيث أصبحت الشرعية مرتبطة بالتوافقات النخبوية والانتخابات الشكلية، بدلا من شرعية الإنجاز والعدالة الاجتماعية التي هي روح الإرث العلوي.
4. أزمة المؤسساتية وعلوّ الاشخاص على القانون: بينما جسد الإرث العلوي خضوع الحاكم المطلق للقانون، يشهد الواقع المعاصر تسييساً للقضاء وصفقات سياسية تعلو فوق الدستور، إن استخدام القيم العلوية كـشعارات للاستهلاك الإعلامي، مع غياب المساءلة في الممارسة الفعلية، أدى إلى إفراغ المؤسسات من محتواها الأخلاقي والوظيفي.
المحور الثالث: من القيمة الأخلاقية إلى الأداة الأيديولوجية
تكمن المفارقة الجوهرية في العراق اليوم في تحويل التراث العلوي من منهاج حكم إلى أداة تعبئة، مما خلق هوة سحيقة بين الرمزية المقدسة والواقع السياسي المتردي، ويمكن رصد هذا التوظيف عبر مستويين:
1. التوظيف الرمزي والسلوك العباسي/ تعتمد القوى السياسية على استحضار الرموز العلوية (شعارات، صور، خطابات عاطفية) كغطاء لشرعيتها، مستغلةً المخيال الجمعي والارتباط الوجداني للجماهير بهذا الإرث، غير أن الممارسة الفعلية للسلطة تكشف عن سلوك اموي او عباسي يتسم بالبذخ، والتعالي، والاستئثار بالامتيازات، هذا التناقض يطرح سؤالاً حاداً: هل استُحضر الإرث العلوي ليُصلح السياسة، أم لتبرير أخطاء السياسيين؟. الواقع يشير إلى أن السياسة اليومية هي من أنزلت الرمز العلوي إلى حلبة الصراعات الحزبية الضيقة، بدلا من أن ترتقي الممارسة إلى سمو قيم هذا الرمز.
2. الاغتراب الجماهيري والصرخة القيمية/ أدى الفشل في الربط بين الشعار العلوي والأداء الحكومي إلى حالة من الاغتراب الحاد، خاصة لدى جيل الشباب، هذا الاغتراب لم يعد مجرد استياء سياسي، بل تحول إلى كفر بالعملية السياسية برمتها نتيجة تشوه النموذج في أذهانهم، إن الاحتجاجات الشعبية المتكررة في العراق ليست مجرد مطالب خدمية، بل هي في عمقها صرخة علوية بالمعنى القيمي؛ صرخة ضد واقع يرفع اسم علي ويحكم بعقلية معاوية، ومحاولة لاسترداد جوهر العدالة الاجتماعية من براثن الاستغلال الأيديولوجي.
3. التسييس والمفعول العكسي/ إن تسييس المقدس أدى إلى مفعول عكسي خطير؛ فبدلاً من أن تكتسب السياسة طهارة القيم العلوية، تسببت الممارسات الخاطئة في خدش صورة النموذج التاريخي لدى البعض، إن المشكلة لا تكمن في التراث ذاته، فهو تراث إنساني كوني، بل في العقل التوظيفي الذي يختزل نهجاً متكاملاً في الدولة والمواطنة إلى مجرد وسيلة لحشد الناخبين أو تبرير التخندقات الطائفية.
المحور الرابع: استعادة الروح لا استنساخ التجربة
لكي لا تظل هذه الورقة حبيسة النقد التشخيصي، لا بد من الانتقال نحو قراءة نقدية غير مثالية تحرر التراث العلوي من الاستخدام السياسي الضيق، وتطرح مسارات واقعية لإصلاح النظام المعاصر، إن الحل لا يكمن في استنساخ التجربة التاريخية حرفياً، بل في استخلاص مبادئها الكلية وتحويلها إلى آليات مؤسساتية حديثة عبر المسارات التالية:
1. الأخلاق السياسية وتحرير المقدس: إن الخطوة الأولى تبدأ بفصل المقدس عن الاستغلال الحزبي، نحن بحاجة إلى ما يمكن تسميته (العلمنة المؤمنة بالقيم)، وهي التي لا تقصي الدين كمنظومة أخلاقية، بل تمنع استخدامه كغطاء للفشل السياسي، يجب أن تُحترم القيم العلوية كإطار قيمي عام، وتترجم عملياً إلى قوانين وضعية صارمة، مثل قانون (من أين لك هذا؟) وقوانين مكافحة تضارب المصالح، لتكون هي المصداق الحقيقي للنزاهة العلوية.
2. التكنوقراط القيمي (الإصلاح الإداري): دعا الإمام علي في عهده للأشتر إلى اختيار المسؤولين من "أهل التجربة والحياء". وفي لغة العصر، يعني هذا الانتقال من تزكية الأحزاب إلى تزكية الكفاءة، إن بناء دولة المؤسسات يتطلب تكنوقراطاً لا يمتلك المهارة الفنية فحسب، بل يمتلك أخلاقيات المسؤولية، وهو ما يضمن إنهاء حقبة المحاصصة التي فتتت هيبة الدولة.
3. تفعيل الرقابة الشعبية كفعل إيماني ووطني: يشجع الإرث العلوي الرعية على تقويم الحاكم ومكاشفته ("فأصحر لهم بعذرك")، إن ترجمة هذا المبدأ تتطلب حماية حرية التعبير وتقوية منظمات المجتمع المدني والصحافة الاستقصائية، لتكون عين الشعب التي لا تنام على أداء السلطة. إن الرقابة ليست تمرداً، بل هي صمام أمان يمنع الحاكم من الانزلاق نحو الاستبداد أو الفساد.
ختاما
إن أزمة الفكر السياسي في العراق ليست أزمة نصوص، بل أزمة عقل سياسي لم ينجح في تحويل القيم إلى مؤسسات، ويظل التراث العلوي مرآة نقدية تكشف حجم التباعد بين ما نرفعه من شعارات وما نمارسه في الواقع، لإن الإرث العلوي ليس عبئا تاريخيا، بل هو بوصلة ضائعة، وان الحل ليس في استنساخ الماضي، بل في استلهام روحه لبناء دولة حديثة تحترم الإنسان، فالعراقيون اليوم لا يريدون حاكما يتحدث عن علي بن أبي طالب، بل يريدون حاكما يحكم بأخلاق علي بن أبي طالب (عليه السلام).
................................
* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!