المفاوضات الامريكية- الإيرانية: رسائل متبادلة على وقع الصواريخ والطائرات

المفاوضات الامريكية- الإيرانية: رسائل متبادلة على وقع الصواريخ والطائرات
في تصريح لوزير الحرب الأمريكي بيت هيغسِث خلال سياق الحرب وتصاعد التوتر مع إيران، قال بشكل مباشر: "We negotiate with bombs" "نحن نتفاوض بالقنابل"...

يأتي ذلك بعد أيام من إشارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تأجيل ضرب مصادر الطاقة في ايران ومنحها مدة خمسة أيام للتفاوض وعلى الرغم من النفي الإيراني، لكنه طوال الأيام الماضية على ايران ان تتوسل للتفاوض، في حين تشير المعطيات الى ان الجانب الإيراني رد على الاشتراطات الامريكية بعدد من البنود التي قد تزعم الولايات المتحدة، في وقت تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة التعقيد في سياق الحرب الحالية والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.

ففي الوقت الذي تصف فيه واشنطن تبادل الرسائل بين الجانبين بأنه غير تفاوضي ومن قبيل "تبادل المواقف والتحذيرات"، يُظهر الاستعراض الأوسع للمواقف اختلافات حاسمة في التقييمات الرسمية وغير الرسمية لدى الطرفين، وتباينا في الرؤى حول ماهية الاتصال، ومستقبل أي حوار.

وقد يكون هذا التناقض بين تصريحات ترامب ووزير الحرب فضلا عن التناقض في تصريحات ترامب نفسه حيث يناقض نفسه في التصريح الواحد، هو تعبير عن توازن بين القوة والدبلوماسية، حيث يسعى الرئيس إلى التحكم بالصورة السياسية الدولية وإبراز الرغبة في حل سلمي، بينما يركز وزير الحرب على فرض المعادلة العسكرية وتأمين الردع الفوري.

هذه الاستراتيجية المزدوجة توضح أن السياسة الأمريكية تجاه إيران ليست خطية أو محددة بموقف واحد، بل هي شبكة تفاعلية من رسائل القوة والدبلوماسية، تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة استراتيجية دون الانجرار إلى مواجهة شاملة مباشرة، فضلا عن تلك الأهداف فان الرجلين الرئيس الأمريكي ووزير حربه وحسب الصحافة الامريكية يعدان الأقل خبرة والأكثر تطرفا في تاريخ الإدارات الامريكية.

عموما في بداية الأزمة، أعلن مسؤول رسمي عبر التلفزيون أن تبادل الرسائل لا يُعد مفاوضات أو حوارا بالمعنى التقليدي، بل هو مجرد تبادل مواقف وتحذيرات، وأضاف أن الأفكار المطروحة في تلك الرسائل قد نُقلت إلى القيادات العليا، وإن لزم اتخاذ موقف فسيتم الإعلان عنه لاحقا.

وفي المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن: "المحادثات مستمرة، وأنها مثمرة"، في محاولة أمريكية لتأكيد استمرار قنوات الاتصال حتى في ظل التوتر الشديد، كما تعمل إدارة ترامب على ترتيب اجتماع في باكستان لمناقشة مخرج من الحرب، مع احتمال سفر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس وغيره من المسؤولين، ما يعكس رغبة أمريكية في إبقاء آفاق التفاوض مفتوحة.

رغم هذه المواقف الأمريكية، التصريحات الإيرانية الرسمية جاءت أكثر تحفظًا ورفضًا للتفاوض المباشر فقد نفت طهران إجراء أي مفاوضات مع واشنطن منذ بدء الحرب، موضحة أنها تلقت رسائل فقط عبر دول صديقة، وهو تأكيد يعكس نبرة رسمية تُبعد فكرة التفاوض مباشراً وتؤكد على القنوات غير المباشرة فقط.

كما نفى المتحدث بأسم وزارة الخارجية الإيرانية وجود أي نية للتفاوض المباشر مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أن إيران تفضل استمرار الاتصالات عبر وسطاء وقنوات غير رسمية، وأنها لن تدخل في مفاوضات مباشرة مع واشنطن في الوقت الراهن حتى في الأوساط الرسمية العليا في إيران كان هناك موقف متباين؛ فعلى الرغم من التأكيد على عدم التفاوض المباشر، أفاد مسؤولون إيرانيون كبار بأن إيران تدرس المقترحات الأمريكية التي تم تمريرها عبر وسطاء، لكنها تعتبرها مناقضة للشروط الإيرانية الأساسية، وأظهرت تحفظًا على بنود تعتبرها "أحادية الجانب وغير واقعية"، مسؤول إيراني كبير قال إن الباب لا يزال مفتوحًا للدبلوماسية إذا تبنت الولايات المتحدة نهجًا أكثر واقعية، مؤكدًا استمرار الوساطات من دول مثل تركيا وباكستان لإيجاد سبيل لتقريب وجهات النظر.

تأتي هذه التصريحات الرسمية وسط تباينات غير رسمية داخل المؤسسة الإيرانية نفسها فقد أظهرت بعض الخطابات والتسريبات في وسائل الإعلام أن هناك انقسامات بين القيادات الإيرانية حول التفاوض؛ حيث تميل بعض التوجهات داخل النظام إلى البقاء على موقفها الرافض للضغوط الأمريكية، فيما يرى آخرون أن وقف التصعيد وتهيئة بيئة سليمة للمحادثات يمثل خيارًا ضروريًا، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات المستمرة، ويعكس هذا الانقسام الداخلي مدى تعقيد الخطاب الإيراني تجاه واشنطن، ووصوله إلى مستوى التباين بين المواقف الرسمية وغير الرسمية.

على الصعيد الإقليمي، لعبت الوساطة دورًا مهمًا في عملية تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن، فقد نقلت دول مثل تركيا وباكستان ومصر رسائل بين الجانبين خلال الأيام الماضية، مما يشير إلى أن التواصل لا يزال قائمًا، وإن كان من خلال قنوات متعددة ومعقدة، وقد تم طرح احتمال عقد اجتماع في باكستان، وفي الوقت نفسه طُرحت تركيا كموقع بديل جراء مخاوف أمنية من إجراء اللقاء في باكستان، كذلك أشارت مصادر إقليمية إلى أنه في منتصف آذار/ مارس أُبلغ الوسطاء بأن إيران تريد أن يشمل أي وقف للقتال إنهاء الهجمات على الجماعات المسلحة في لبنان أيضًا، مما يعكس رؤية طهران لربط التسويات الإقليمية مع قضيتها الأساسية.

في مقابل ذلك، هناك تباين واضح في التقييمات الأمريكية نفسها حول المفاوضات فالإدارة الأمريكية برئاسة ترامب، تسعى لإظهار أن المفاوضات أو المحادثات الجارية يمكن أن تؤدي إلى وقف القتال، وقد أشارت إلى أن إيران متلهفة بشدة للتوصل إلى اتفاق، وهو موقف يخالف ما تنفيه طهران رسمياً، ومستشارون أمريكيون يواجهون صراعًا داخليًا حول كيفية إدارة المفاوضات والضغوط العسكرية، مما يسلط الضوء على عدم الاستقرار في الإستراتيجية الأمريكية تجاه طهران.

في الوقت ذاته، يظل الاحتمال العسكري قائمًا في حال فشل أي مسار تفاوضي فقد أُشير إلى استعداد نشر قوات إضافية في الشرق الأوسط خلال الأيام المقبلة، وهو ما يشكل خيارًا للضغط العسكري على إيران في ظل استمرار الحرب، وقد حذرت الولايات المتحدة من أنها مستعدة لاتخاذ إجراءات أكثر حدة إذا لم تُدرك إيران "واقع اللحظة الحالية"، ما يعكس أن الخيار العسكري لا يزال جزءًا من حسابات السياسة الأمريكية حتى في ظل محاولة إبقاء قنوات الدبلوماسية مفتوحة.

ختامًا، إن التحليل المتكامل للمواقف الرسمية وغير الرسمية لدى كل من واشنطن وطهران، إلى جانب الوساطات الإقليمية والتحركات العسكرية المحتملة، يُظهر أن التواصل بين الطرفين الحالي لا يمكن اختزاله في مجرد تبادل رسائل أو محادثات بسيطة بل إنه يعكس شبكة معقدة من المواقف المتباينة الحساسية السياسية، والتوازنات الإستراتيجية التي تحدد شكل العلاقات في هذه المرحلة الحرجة.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

د. اسعد كاظم شبيب

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!